إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: الحكم بعد المداولة‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: الحكم بعد المداولة‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: الحكم بعد المداولة‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: الحكم بعد المداولة‎

المصطفى سالمي

المصطفى سالمي


حين تأتي العطلة الصيفية وينصرف التلاميذ إلى خارج أسوار المدرسة، كان هو يجالس ذاته مسائلا إياها عن حصيلة الموسم الدراسي من حيث الإيجابيات والسلبيات. التلاميذ ينتظرون ثمار العام إما نجاحا أو رسوبا، وصاحبنا يدون في كراسة ثمار عامه المنصرم، والإيجابيات عنده هو مدى قدرته على التفاعل بشكل أكبر مع تلاميذه، هو أن ينهي السنة دون أن يحس بتراجع مستوى عطائه، وأن تستمر الحصة الدراسية ممتعة خفيفة وسريعة، أما السلبيات فهو أن يصبح الدرس ثقيلا على قلبه وأن يصبح عقرب الساعة بطيئا يشعره بأثر الزمن النفسي عليه، أو أن يقل تجاوب تلاميذه أو تتوتر علاقته معهم.

كان صاحبنا يقيس درجة نجاحه من فشله من خلال أرقام ورسوم هندسية لا تخلو من دقة، فكل فرض ينجزه كان يقوم بعده باحتساب عدد الحاصلين على المعدل والنسب المئوية لذلك، ويعين الاختلالات والتفاوت بين الأقسام، محاولا إيجاد مبررات وتفسيرات لذلك. ثم يحول النسب إلى أنصاف دوائر ورسوم بيانية..
لكن مرور السنين والأعوام أدى إلى تناقص هذه القياسات، فاكتفى صاحبنا في السنين الأخيرة فقط ببعض الأنشطة الثقافية والفنية التي تخرج صاحبنا من روتين العمل الآلي كالاستعانة بمسرحيات تثقيفية وترفيهية يقوم تلاميذه بتشخيصها في الفصل، أو مطالبة ألمع المتعلمين بإنجاز عروض أو بحوث مع توظيف التقنيات الحديثة كالحاسوب والعاكس الضوئي.. هذا إلى جانب مشاركة زملائه المدرسين  في أنشطة ثقافية وبيئية كاستنبات أغراس وشجيرات...
لكن صاحبنا اكتشف أن القيام بمثل هذه الأنشطة الموازية، أمر ينغص ويكدر صفو بعض زملائه، كما ينغص المُجدّ من التلاميذ على المتهاون، فالعروض والمسرحيات وكل نشاط يمارسه اللامع من التلاميذ لم يكن يمر مرور الكرام على باقي زملائه، فهناك المنافس المجد الذي يغبط زميله، وهناك الحاسد الحاقد الذي يكره مثل هذه الأنشطة التي تفضح عجزه وضعفه، وهناك الذي لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة إليه أن يقوم غيره بجهد وعمل "ما" أو لا يقوم...
وهنا أراد صاحبنا أن يقوم بدور الخبير النفسي أو الاجتماعي، وذلك لفهم سر عدم إقدام بعض زملائه على أنشطة مماثلة، بل وعدم تقبلها أحيانا. وبعد جهد جهيد خرج صاحبنا بخلاصات عدها ثمينة. فزملاؤه بعضهم قضى سنوات يمكن اعتبارها ضوئية قياسا لمهنة المتاعب التي تفتك بالخلايا العصبية. فمن أين لهؤلاء بالطاقة والجهد الذهني والصبر والتحمل على أنشطة من هذا القبيل، فضلا عن مسؤوليات جسيمة ربما تنتظرهم في البيت في ظل كبر الأبناء وتعاظم انتظاراتهم. ثم إن معظم زملائه هم من كبار السن الذين أصبحوا لا يمتون بصلة لهذه الأجيال الصاعدة. فأين هي النقط المشتركة التي يمكن من خلالها أن يتواصلوا مع تلاميذ في عمر أحفادهم؟!وثالث هذه التبريرات التي خرج بها صاحبنا هي أن الأنشطة والإبداع تقتصر غالبا على مواد بعينها هي اللغات ومواد التفتح.. فكيف يمكن أن نطلب من مدرس مادة علمية أن يشارك في نشاط فني مسرحي.. ؟ وإن كان هناك استثناء، فالشاذ لا حكم له.
استيقظ صاحبنا من تأملاته على صوت المؤذن، وهنا تساءل صاحبنا عن درجة التزامه هذا العام بأداء الصلوات في مواقيتها. إنه أحيانا يؤخر الصلاة حين يكون في العمل أو يجمع بين صلاتين. كما أن الالتزام بالأنشطة الرياضية كالجري وممارسة هوايته المفضلة التي هي كرة القدم أمر قلّ بشكل مريع، سيما وأن الرياضة البدنية تقوي الجسم وتعطيه مقدرة على التحمل وتجدد نشاط الذهن. كما أن قراءة الكتب ما عادت كالماضي.. وهاتان الرياضتان هما سر تجدد الشباب الفكري والجسمي للمدرس.
دوّن صاحبنا كل الإيجابيات واستعرض إلى جانبها السلبيات، وأعطى لنفسه مهلة للمداولة قبل إصدار الحكم، وسيكون هذا الحكم بعد أن يعود صاحبنا من أداء فريضة الصلاة. 


اقرأ جميع إبداعات الكاتب المصطفى سالمي


تعليقات


جريدة الأساتذة

محرر في موقع الأساتذة للمواضيع التربوية و الوثائق التي يحتاجها كل الأساتذة و التلاميذ .