موقع الأساتذة موقع الأساتذة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

خذ هذا المنديل وامسح به دموعك


خذ هذا المنديل وامسح به دموعك

بقلم الباحث: مصطفى العادل

بقلم الباحث: مصطفى العادل

حينما تنتهي المصالح ينتهي الحب، حالة تشبه ذلك الأحمق الذي يقف وسط غابة، يوزع الحبوب على مختلف العصافير، تتجمع عليه الطيور من كل ناحية، فيصحوا ويستمتع بذلك الجو الجميل، وبمجرد أن تنتهي الحبوب ويصبح الكيس فارغا، تطير العصافير بعيدا، فيبقى تعيسا حائرا، ولو استطاع أن يخلق لنفسه جناحين، لطار وراء العصافير.

 هكذا أنت يا سعيد، لم تبال حينما كنت تهدي لها الورود، وترافقها إلى المقاهي  والمطاعم الفاخرة، هل رأيت؟ لو طلبت منك يوم ذاك حاجة، مقابل أن تلغي لقاء من لقاءاتكما الدورية لرفضت بشدة، أحيانا تسمح في جلساتنا وخرجاتنا، بل في مباريات كرة القدم التي تعشقها، وتعتبرني غريما لك فيها، مقابل أن تجلس بجوارها في حديقة المدينة، وتجول وإياها كل الأزقة بين العشاءين.
في البيت كنا نعيش حالة من فقدانك وجسدك حاضر معنا، كنت طيلة هذه السنوات معلقا في النافذة المقابلة مع الجبل، تلهت وراء شبكة الأنترنت، كي لا تبقى رسائلها لحظة دون رد، وكلما ناقشت معها بحدة، أو ساءت علاقتكما، إلا ودفعنا الثمن غاليا من أجل شيء لا ندري من أين ينزل علينا، إنه ذلك الفيروس العاطفي الذي يسري في جسد بيتنا الطلابي، رفعت علينا صوتك، وغضبت لأتفه الأسباب، رفضت لمرات تناول الوجبات معنا، لقد كانت حياتك كلها جحيما في تلك السنوات. هل ترى يا حبيبي بعد هذا المشهد كم كنت غبيا؟
كنت أدرك ما تعيشه، لكن لو حاولت التدخل في الموضوع، لكانت النتيجة أسوأ مما أتصور، هكذا نحن معشر الرجال، حينما ننغمس في علاقة عاطفية ندفع مقابلها ثمنا باهضا، نبيع إخواننا الرجال وأخواتنا، ونزهد في وقتنا، ولا تهمنا أموالنا، وإن كنا نحصل على الدراهم المعدودة منها بشق الأنفس، كل شيء نسمح فيه من أجل تلك العلاقة العاطفية.
لذلك نجد أنفسنا بعد فشلنا، أو بعد خيانة أنثوية، مضطرين لإصلاح ذلك، أنت الآن لا تريد مني سوى الحديث عن علاقتكما الضائعة، يسعدك أن أصف تلك الفتاة بأنها خائنة ومجرمة، وبأنها لا تستحق كل هذا الاهتمام وهذه الرشاقة التي تتمتع بها يا سعيد.
هل هذا ما يسعدك؟.، إنها خائنة وأكثر مما تتصور، لقد استطاعت أن تتركك لأتفه الأسباب، لقد اختارت وسيما آخر...، لماذا هذه الابتسامة على محياك؟ لماذا هذه السعادة كلها على وجنتيك؟ هل أصبحت تكرهها إلى هذه الدرجة؟
المشكل أيضا والذي يدمي قلبك، ويدمع عينيك، هو حجم العمل الذي ينتظرك لإصلاح قلبك، قلبك يا سعيد صار كما حلب، أصبح كل مدينة عربية بعد التورة، لقد تغير وكأنه هيروشيما اليابانية بعد القنبلة النووية، قلبك يا سعيد صار محتلا كما الأقصى.
لا مفر لك من هذا الألم، ألم البحث عن النسيان وتعويض كل ما ضاع من مآثر وآثار في قلبك القديم، عليك أن تصلح علاقاتك بأصدقائك وأهلك، ينتظرك أن تعوض كل خسائر هذا التدمير وهذا القصف.
أنت في حاجة إلى طبيب وخبير في عالم الحب وبحر النسيان أكثر من زمن مضى، نعم أكثر من تلك الأيام التي تصاحبها وتتنفس بهوائها، خذ هذا المنديل يا سعيد، فإنك سوف تكون في الحاجة إليه لمسح الدموع القادمة، عانيت إلى اليوم أسبوعا واحدا فقط بعد رحيلها بلا سبب، هل تدري كم بقي من رصيدك في الدموع والوجع؟
مع استعمالك المفرط للإلكترونيات، كان العرض الذي استفذت منه مضاعفا لثلاث مرات، لقد دامت سعادتك الزائفة في حلم الحب والغرام عاما كاملا وستة شهور وثلاثة أيام، ومع العروض المضاعفة في تعبئة النسيان، فإن رصيدك من الألم يقارب مضاعفته لخمس مرات، لذلك أنصحك بالإكثار من المعارف والأصدقاء لتنفيذ هذا الرصيد في اقرب وقت.
ومع سيرك المفرط كذلك صحبتها، تكون كل الشوارع والأزقة شاهدة على هذا الحب، الآن وأنت تطلب النسيان، فأنا أقترح عليك مغادرة المدينة، ما دمت هنا فالحديقة لن تصور لك سوى اللقطات التي جمعتكما يوما، وذلك الكرسي، وهذه الشجرة...، كل شيء سوف يسألك عن غيابها عنك، فالطبيعة لا تعرف الخيانة كما النساء، ستحاول نسيانها، قد تمسح الأرقام والصور، وعند أول لقائك بالشمس والعشب والمطر والجدار ستذكرها، كل شيء في هذه المدينة سوف يسألك عنها، أعدك أن لا تنسى بهذه السهولة.
لحظة سعادة في زمن الوفاء، تقابلها ساعات من الوجع والدموع بعد الرحيل يا سعيد، فكن رجلا كما أعرفك منذ طفولتنا، آآآه طفولتنا يا صديقي بدورها ستؤلمك، لابد أن تعرف سبب كل هذا التغير،
كيف استطعت التخلي عن رفقاء الطفولة بعد كل تلك المشاق، مقابل شريرة غريبة لم تتعرف عليها إلا في سنواتك الأخيرة؟، ماكرة ذهبت بمالك ووقتك ونزعت من جوفك قلبك الضعيف، ثم تركتك جثة هامدة، أيقونة من الألم ثم رحلت.
لا تقلق يا سعيد، فأنا صديقك منذ الطفولة وإلى الآن لن أتخلى عليك، خذ هذا المنديل وامسح به دموعك، وخذ هذا القران فامسح به قلبك، ابكي على الله، فهو البكاء الذي يسعدنا وتغفر به خطايانا، صلي لله وعلى رسول الله، فهذا مفتاح السعادة ضاع من بين يديك، افعل هذا بكل صدق يا سعيد ودعني أجيب طفولتنا على سؤالها.

عن الكاتب

profpress net

loading...

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

موقع الأساتذة