حكاية الأستاذ بهلول

حكاية الأستاذ بهلول

حكاية الأستاذ بهلول

حكاية الأستاذ بهلول





                                                                                      ادريس مهيم

                                                                                      ادريس مهيم


عمي "بهلول"، معلم متقاعد في السبعينات من عمره، رجل خبر الزمان والمجتمع المغربي جيدا، لا تمل من حكاياته وقرفشاته ونكته، ولقب "بهلول" لا أعرف لماذا يلقب به؟ حتى ظننت أنه نسبه، لأنه يقبل هذا الاسم، خصوصا عندما تناديه "عمي بهلول" فيجيبك مغتبطا فرحا، كنت أحب الجلوس معه في المقهى المجاور لبيتي، أستمع لحكاياته وتجاربه، وهو يدخن التبغ الردئ ويرتشف قهوته السوداء، ويطالع الجرائد الواحدة تلو الأخرى، ذات مساء حكى لي قصة عجيبة.

قال : يروى أن حلاقا في الدار البيضاء في التسعينيات من القرن الماضي، فتح محلا للحلاقة، وكان هذا الحلاق فطنا، حدقا أراد من خلال دكانه أن يكتشف الانسان المغربي، ذات صباح دخل طبيب ليقص له شعره، وبعد أن زينه الحلاق وقص شعره، حاول الطبيب أن يدفع للحلاق، لكن هذا الأخير قال: مستحيل، لا يمكنني أن أقبل الأجر، فهذه خدمة أسديها لأفراد المجتمع المتميزين، وهنا استبدت الدهشة بالطبيب ومضى في حال سبيله، وفي الصباح التالي، عندما بدأ الحلاق بفتح أبواب دكانه، وجد بطاقة مكتوب عليها شكرا لك مرفقة بكيس من الأدوية مكتوب عليها (خاص بوزارة الصحة يمنع بيعه).
سعل عمي بهلول سعالا حادا، اهتز معه صدره الوهن، ملأت له كوب ماء ليتمم: وفي اليوم الموالي، دخل دركي إلى الحلاق نفسه، وبعد أن انتهى الحلاق من قص شعر الدركي، حاول هذا الأخير أن يدفع الأجر، إلا أن الحلاق رفض الأجر وقال مرة أخرى: لا يمكنني أن أقبل بمالكن فهذه خدمة مجانية لأفراد المجتمع، فدهش الدركي ومضى في حال سبيله، وفي اليوم التالي وجد الحلاق بباب دكانه بطاقة كتب عليها شكرا لك، مرفوقة بعلبة كبيرة من سجائر المارلبورو المهرب.
سكت عمي بهلول ونظر إلي بعينين ذابلتين، وأنا أنتظر نهاية الحكاية بشغف، ليقول: وفي اليوم التالي، دخل معلم دكان الحلاق ليقص شعره، رحب به الحلاق، وبعد أن قص الحلاق شعر المعلم القليل ومشطه، وحلق له ذقنه، ورتب شاربه، حاول المعلم دفع الأجر، لكن الحلاق فاجأه بقوله: آسف لا يمكنني قبول الأجر، فهذه خدمة مجانية لأفراد المجتمع المتميزين، بالصحة والراحة أستاذي، اندهش المعلم من سلوك الحلاق العجيب، وسر بذلك، ومضى في سبيله غير مصدق لأنه لم يأخذ هدية من المجتمع في حياته عرفانا بالخدمة التي يقدمها، وفي صباح اليوم التالي، عندما فتح الحلاق باب دكانه،احزر ماذا وجد؟
فقلت مستهزئا ومتهكما: - وجد علبة طباشير، مكتوب عليها خاص بوزارة التربية الوطنية.
نظر إلي بازدراء وحيرة، وقال:- لا بل وجد عشرة معلمين ينتظرون دورهم للحلاقة بدون مقابل.
هنا، اهتزت كوامن الغيرة في قلبي، وقلت :- أتريد أن تقول أننا بخلاء؟
رد علي بهدوء، وحكمة، بعد أن سعل كعادته سعالا حادا، وارتشف رشفات من كوب الماء فوق الطاولة، وأشعل سيجارة نشوة بالانتصار:- لا، أيها الأستاذ المغفل، كل ما أحاول أن أقوله لك، هو أننا نهتم ببعضنا البعض، فغذا ما رأينا شيئا طيبا اقتسمناه مع زملائنا من فورنا، فنحن الوحيدون الذين يطلق علينا لقب أسرة، فيقال "أسرة التعليم"، والأسرة دلالة الحب والتماسك والاحترام المتبادل، وبهذا التعاون حقق رجال التعليم في الماضي مطالبهم وأخذوا حقوقهم وقاموا بواجبهم الوطني بالتعاضد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
صدقت عمي بهلول، فرجال ونساء التعليم معروفون بالتضامن والروح الاجتماعية والتكافل، وخير دليل على ذلك التقاسم الذي نلاحظه اليوم على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يبخل أستاذ على أخيه الأستاذ بما يعرفه، وأصبح التنوير من خلال المجموعات التي لا تعد ولا تحصى معيارا للتعاون والتقاسم، دامت الشغيلة التعليمية متعاونة، رغم كيد الكائدين ونكات الناقمين، فأنتم النبراس في ظلمات الجهل.
وبمانسبة اليوم الأممي للعامل والأجير، تحية حب وتقدير وإكبار لنساء ورجال التعليم.   

تعليقات



loading...

جريدة الأستاذ

مسؤول في موقع الأستاذ للمواضيع التربوية و الوثائق التي يحتاجها كل الأساتذة و التلاميذ .