أزمات المدرسة العالمية هل من حلول؟ (2/2)

أزمات المدرسة العالمية هل من حلول؟ (2/2)

أزمات المدرسة العالمية هل من حلول؟ (2/2)

Zone de Texte:  أزمات المدرسة العالمية
هل من حلول؟ (2/2)
أزمات المدرسة العالمية هل من حلول؟ (2/2)



                                ذ محمد صالح حسينة
لقد تطرقنا في الحلقة الماضية الى مشكلات المدرسة العالمية، وقلنا انها تصارع سطوة العولمة التي تهدف الى خلق مواطن مستهلك، يتبع غرائزه وتسيره أهواؤه. ان العولمة تزيد اصحاب النفوذ هيمنة في المجالات الاعلامية والاقتصادية على الخصوص، حيث السيطرة المطلقة على رؤوس الاموال التي تحركها الشركات العملاقة، والمحطات الاعلامية الكبرى لمزيد من الاغتناء الفاحش.

اما التربية العربية فتعاني من التاءات الثلاثة : التجزئة والتخلف والتبعية، اضافة الى سقوطها في براثن الانظمة العربية الساعية الى تدجين الاستاذ، وتدعيم سطوة الادارة، واقصاء كل ما هو تربوي لصالح ما هو اداري ومادي. اما النقابات والاحزاب السياسية فلا تجري سوى وراء الكعكة مطالبة بالزيادة في حجمها ليكون النصيب أوفر. وباختصار فان مشاكل التربية العربية تتلخص في انها مسيسة وفي خدمة الحاكم لا غير. واذا انتقلنا الى التربية المغربية يجوز القول بأنها تعاني من : اقتراض نماذج جاهزة من الساحة الفرنكفونية عملا بقولة عبد الرحمان بن خلدون: ( المغلوب معجب دائما بالغالب). اضافة الى انها اصبحت تدخل في اطار المشاريع السيادية ، وهو تحصيل حاصل، اذ اصبح كل من هب ودب يتدخل في قطاع التربية والتكوين، متهما اياه بالتقصير، ومحمله متاعب وأوزار الدنيا والآخرة. وفي مقدمة هؤلاء تأتي وزارة الداخلية، المجلس الاعلى للتربية والتكوين، وزارة الاوقاف، المنتخبون....فكل جهة من هذه الجهات تريد تعليما على مقاسها، اما خدمة لأجندة دولية ، او انبطاحا امام تعليمات دولة كبرى، او رغبة في اظهار اصلاح شكلي لما يسمى بالمجتمع الدولي...دون ان نقصي اللوبيات الداخلية التي تريد عرقلة المدرسة العمومية، لأنها في نظرها تبقى الاداة القادرة على حمل مشعل التغيير الاجتماعي وتكوين سلوك ايجابي يؤطر المواطن ويطوره للمطالبة بحقوقه في الوقت المناسب. ان النظرة الفوقية غير الموضوعية للمجلس الاعلى للتربية و التكوين جعلت منه وصيا على القطاع، يأمر وينهى رغما عن الاخطاء الفادحة المترتبة عن مثل هذه الممارسات التسلطية. واذا تذكرنا بالامس القريب نجد ان هذا المجلس لم يكن يحسب حسابا للأطر التربوية لتمرير مشروعه المتمثل في الرؤية الاستراتيجية 2015/2030، بل كان اعضاؤه يصولون ويجولون في العمالات و الولايات يستجدون السلطات لمباركة مشروعهم، وها نحن بعد اكثر من سنتين على ذلك التحرك، لا زالت دار لقمان على حالها، او اكثر من ذلك فالمجلس يخفي اسرارا ظهرت انذاراتها عندما أفصح بعض اعضائه عن نية خصخصة الجامعة، وفرض الرسوم على التلاميذ ابتداء من الثانوي التأهيلي. ان هذا التصرف - وان كان في طور النيات – انما يفصح عن قصد مبيت من أجل ضرب المجانية، والتعميم والتوحيد والمغربة والتعريب التي ناضل من اجل ارسائها ثلة من الوطنيين الاخيار، وعلى رأسهم بعض المفكرين الذين رحلوا الى دار البقاء : محمد كسوس، محمد عبيد الجابري، المهدي المنجرة...الخ.
وفيما يلي بعض الملاحظات حول قطاع التربية والتعليم بالمغرب، وهي ملاحظات استقيناها من الواقع المعيش، بناء على خبراتنا وتجاربنا، بالتفاعل مع ردود الافعال الشعبية والنقابية والحزبية حول مسار الاصلاح التربوي بالمغرب، خاصة بعد مجيء وزير الداخلية الذي كان يراقب الشاذة والفاذة في التعليم، ويعرف عنه اكثر من مما يعرفه رئيس الحكومة، أو وزراء التربية السابقين مجتمعين.
1.     هل وزير الداخلية هو حلال العقد التعليمية؟
الدولة المغربية تعيد التاريخ إلى الوراء: فبإقدامها على تكليف السيد محمد حصاد وزيرا لكل الاسلاك التربوية والتعليمية، تكون قد أوكلت إليه مهمة إسكات قطاع لا زال يتنفس، رغم انه دخل غرفة الإنعاش خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وشاء الله أن تفعل بعض المسكنات فعلها، وتوهم أشباه المثقفين، وأشباه الصحفيين الذين يعيشون على فتات مائدة الدولة ويقتاتون من ريعها الذي تعددت مشاربه وأهدافه، أن التعليم أصبحت حالته مطمئنة...
وفي سنة 2005م أطلقت الدولة العنان لما يسمى بالمغادرة الطوعية التي كانت ضد مسار التاريخ، ولا يقبل بها أي مسؤول عاقل... وكانت العملية كلها عبارة عن مسرحية هزلية، ولكن عوض أن تضحك الرأي العام أبكته... فكيف يعقل أن نسرح خيرة الأطر الوطنية، ثم نتعاقد معهم... نتخلى عنهم، ثم نمد لهم اليد؟! نخرجهم من الباب الواسع ونعيدهم من النوافذ الضيقة؟
فهل السيد رئيس الحكومة قادر على تحمل مسؤولياته التاريخية امام الشعب المغربي،؟ وإن اقتضى الحال تدخل القضاء لاستدعاء رئيس مجلس الحسابات (الوزير الأول آنذاك)، ورئيس مجلس النواب (وزير التربية الوطنية حينها) ليقولا الحقيقة في تلك النازلة التي أضرت كثيرا بصندوق التقاعد، وباقي الصناديق السيادية؟
في سنة 2008م أصدر المجلس الأعلى للتعليم تقريرا "شديد السواد"، ليست فيه بارقة أمل، وقد قام المجلس بدوره في دق ناقوس الخطر، ولم يعره الكثيرون أي اهتمام لولا صدور التقرير الشهير عن البنك الدولي، والذي صنف المغرب في الرتبة 11 من بين 14 دولة في شمال افريقيا والشرق الأوسط... وهنا جاء البرنامج الاستعجالي الذي أسقط رؤوسا تعليمية... ولكن يقال بأن الرؤوس الحقيقية المسؤولة عن الكارثة لا زالت تشتغل في صمت ودون خوف من المحاسبة!
لقد تولى الراحل ادريس البصري وزارة الاتصال، حيث سمي وزير "الداخلية والإعلام"... فيمكن لأي وزير أن يجمع بين قطاعين إذا كان الهدف هو ترشيد النفقات، وإسناد الأمور التنفيذية للمختصين.. هذا مقبول .. ولكن غير المقبول هو أن يصبح رؤساء الأقسام والمصالح من العمال الملحقين بوزارة الداخلية... بمعنى أن وزارة الداخلية امتصت الإعلام... والتسمية مجرد جبر لخواطر بعض الناس، أما الحقيقة فيعلمها جل الناس: تقييد الإعلام حتى يكون ناطقا امينا باسم النظام السياسي... ولهذا كان من الممكن ان يجمع وزير الداخلية الوالي لفتيت، بين "أم" الوزارات - كما يسميها بعض المرتزقة من رجال الاتصال والإعلام - والناطق الرسمي باسم الحكومة: حتى تكون المقاربة الأمنية هي السائدة بوضوح ودون تفسيرات غوغائية... في زمن أصبحت الجرائد الإلكترونية و"محللوها"، والإذاعات الحرة و"مهرجوها"، والصحافة المستقلة - التي اصبحت نخبوية ومتخمة الأنا إلى درجة التعصب للرأي، ومحاولة سحق الرأي المضاد-  وأضحت حكرا على "مثقفي الأزمة"... والقنوات التلفزية الرسمية وغير الرسمية والتي تخضع خضوعا أعمى "لدفتر التحملات"... حتى تبقى الدولة راضية عنها كل الرضى... وهي تنحاز "لمحللين" لا يبحثون عن التحليل العلمي، وإنما يجرون وراء (التحليل الذي يرضي السلطة): ومن ذلك مثلا أن رئيس جمهورية مصر العربية... كان يصفه التلفزيون المغربي الرسمي دائما بـ [الرئيس الشرعي لمصر]، ولكن سبحان مبدل الأحوال.. عندما غضب النظام السياسي المغربي من (مواقف حاكم مصر) سمعنا محللا، رئيس مركز دراسات توصف بالاستراتيجية مع الأسف ينساق مع الرسميات، ويعلن من أبواق المحطة المغربية: (السيسي رجل انقلابي، انقلب على رئيسه الشرعي محمد مرسي)؟...
ان وزير التربية الوطنية الجديد مطالب بتفعيل توظيف فوج 2016/2017 ، عبر ضمان التحاق النازحين بمراكز مهن التربية و التكوين، وهو مطلب وافقت عليه الحكومة السابقة حيث قيل ان 5000 منصب مخصصة لطلبة المراكز برسم هذا الموسم الذي انتهى عمليا. فهل ستلجأ الحكومة الى التوظيف بالتعاقد من جديد؟ وهو خطأ تاريخي ارتكبته الوزارة السنة الماضية لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار عدد المتقاعدين رسميا او نسبيا، مما اربك الخريطة التربوية، وأحدث اكتظاظا لا عهد للمدرسة المغربية به. لقد سمعنا السيد الوزير الجديد يتحدث بلهجة واثقة عن محاربة الاكتظاظ، ونحن لا نرى اي حل لذلك سوى توظيف افواج من الشباب العاطل عبر المباراة والتكوين. ومن جهة اخرى تحدث السيد محمد حصاد عن البنية التحتية للمدارس، وخاصة الطاولات والمكاتب والسبورات، ونحن نسائله : كيف ستديرون هذه العملية وانتم تعلمون ان البرنامج الاستعجالي كان يستهدف تأهيل المؤسسات التعليمية، وهل تعلمون ان العناصر المسؤولة عن عدم تأهيل هذه المؤسسات لازالت تعمل الى جانبكم؟. كما ذكر السيد الوزير بانضباط الاساتذة، وفي هذا الاطار لا بأس ان نشير على السيد الوزير بأن الاساتذة نوعان: فئة لا تحتاج الى توجيه من أحد، وهي تقوم بواجبها، ولا يمكنها ان تتخلى عنه تحت اي ضغط او اكراه: تخاف الله، وتعمل وفقا لضميرها، وتتحمل مسؤولياتها سرا وعلانية. اما الفئة الثانية فهي محسوبة على الانتهازيين والمتملقين من النقابيين والمتحزبين وذوي القربى الذين تعودوا ان يلقوا باللائمة على الآخرين، وهم يتقنون قتل القتيل والمشي في جنازته.
ونعتقد – بحكم ممارستنا – ان الفئة الاولى تشكل الاغلبيىة الغالبة. فلا خوف على التعليم ولا التربية ولا المستجدات من هذه الجماهير التعليمية المتحمسة للقيام بأدوارها على احسن وجه.
2.     اللامركزية والجهوية كان هو شعار الدولة المغربية... أجل إذا كانت اللامركزية تعني دفع النخبة الاقتصادية للهيمنة على الأقاليم والجهات، خاصة وأن ذوي النفوذ قد ضاق  عليهم محور فضاء (الدارالبيضاء-الرباط) بما رحب... ورغبة في زيادة حجم الكعكة، وفي خضم (التوافق) المعروف لدى المغاربة حينما يشتد الخطب... وإذا كانت اللامركزية كمفهوم مرادف لتوسيع (المغرب النافع) في إطار "المخطط الأخضر" الذي يصب في صالح الإقطاعيين وكبار تجار السوق... والذي لا يعرف طريقه ـ بعد ـ إلى قلب أو عقل الفلاحين الصغار الذين يشكلون السواد الأعظم من القطاع الزراعي... ويمكن زيارة بعض المداشر بمغرب 2016م لتجد نفسك في عالم ما قبل ولادة المسيح عليه السلام!
إذا كانت اللامركزية – في الاستثناء المغربي – تعني كل ذلك وأكثر، فإنه لا يحق لنا أن نقول إنها تحققت... ولكن في غياب تام للاتمركز الذي يعد فلسفة وأخلاقيات وقيما وقناعات... فالكل يجري وراء لذة مؤقتة، او يلهث لاقتناص غنيمة ما... وشعار الأغلبية المهيمنة دائما "أنا والطوفان من بعدي".
أين هو مشروع الأستاذ المصاحب؟ تذكروا معي أيها السادة أنه في الموسم الماضي ببني ملال اختيرت مؤسستان لا تبعدان عن بعضهما إلا قليلا، ووفق اختيارات أشخاص معينين، خدمة لعناصر معينة، ولحاجة في نفس يعقوب لم يكتب لها القضاء... وتم انتقاء أستاذين لتتبع ومصاحبة الأساتذة بهاتين المؤسستين من أجل تنزيل (البرنامج الجديد)... كل شيء هنا ممكن لولا أن أستاذا مصاحبا يشتغل بمجموعة مدرسية تبعد عن مقر المديرية الإقليمية ببني ملال بـ 102 كلم (102 كلم!!)، والآخر يعمل بمدرسة تقع في نفوذ جماعة دير القصيبة (أي على بعد مسافة 40 كلم من المديرية الإقليمية لبني ملال)... تم اختيارهما، بعد أخذ ورد، كأستاذين مصاحبين من بين حوالي 32 مرشحا لهذا المنصب، مع العلم ان المربين أوهمتهم "الكواليس" ان لكل مدرسة مصاحبها، وهو أمر كنا نعتبره مزايدات انتخابية ليس إلا... لأنه من الصعب أن تجد أكثر من 100 أستاذ متفرغ (وهو ما يناسب كل المؤسسات المنتشرة على تراب إقليم بني ملال) في ظل الشح الكبير للموارد البشرية على مستوى الفصل الدراسي.
وما يحز في نفس كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أننا عقدنا – كعادتنا – ندوة بمدرسة القاضي عياض، في إطار تفعيل برنامجنا التأطيري السنوي خلال شهر ماي 2016م وحضر معنا اساتذة و استاذات "مؤسسة تجريب" من بني ملال لتنزيل البرنامج الخاص بالمشاريع ذات الأولوية تم استدعاؤهم خطأ، فحضروا لأول مرة معنا... وعندما سألناهم عن نسبة التقدم في تنزيل الغلاف الزمني التربوي، واستفسرناهم عن بعض النقط ذات الأولوية في الرؤية الاستراتيجية 2015/2030م... فوجئنا بردود افعالهم المقاومة لكل تجديد، وأنكروا – جملة وتفصيلا – ما نسب إليهم كونهم استفادوا من دورات تكوينية أو ما شابه ذلك، كما نفوا أي اتصال لأي مسؤول بهم في هذا ال موضوع بالذات... وما يؤسف اكثر هو أن هؤلاء يريدون بأقسامهم طفلا جاهزا معرفيا ووجدانيا وسلوكيا وحركيا ليوقعوا له شهادة النجاح، أما من يحتاج  الدعم والتتبع ومواكبة وتيرة عمله بالتوجيه والمصاحبة والمعالجة، فلا وجود له بقاموسهم وجل هؤلاء لم يعلموا بأن خضوع المتعلم لعتبة الانتقال، رهين بدعم تمثلاته الإيجابية، ومحاربة التمثلات السلبية، ومعالجة أخطائه من مصادرها الأصلية، وتمكينه من الزمن المدرسي كاملا، وإحالته على حصص للدعم تكون خاصة به وبأمثاله، مع تطبيق نظرية الذكاءات المتعددة على المنهاج الدراسي، وأثناء المراقبة المستمرة، وخلال الامتحانات الإشهادية...
أما الأساتذة الذين أخلصوا لله ولضمائرهم الحية، وتحملوا المسؤولية في أبهى صورها، فإنهم تشبعوا بالفكرة القائلة: إن مهمة التدريس كمهنة التطبيب تتطلبان دراية وصبرا.... ومعناه أن المربي يصبر على المتعلم (بطيء التعلم) ليخطو خطوات إلى الأمام، فلعل تفتحه ياتي متأخرا ولكنه سيأتي حتما... ومن هنا تنبع أهمية منح فرص تربوية إضافية للمتعلم المتعثر، فهو قادر على تصحيح هفواته بالتدريج.... أما أن ننحي باللائمة على المتعلم بدعوى أنه متعثر فتلك تهمة مردودة على أصحابها.
ونعود لنؤكد أن مشروع الأستاذ المصاحب الذي يهدف إلى تفعيل "التأطير بالقرين" أو تفعيل التوجيهات البيداغوجية من الأستاذ إلى الأستاذ: أستاذ D أستاذ يمكن أن ينجح ولكن في بيئة غير مغربية... بيئة تقترح هذا المشروع لدعم خطة المفتش، وليس التطاول عليها كما يقول البعض....
لقد كنا من المتحمسين للأستاذ المصاحب سنة 2011 حين قدمنا بمدرسة البنات المركزية بقصبة تادلة السيد "عمر بحاج" رسميا لزملائه على أنه أستاذ مصاحب، ولكن باعتباره مرافقا للمفتش التربوي ومساعدا له، وطلبنا من أساتذتنا الأجلاء تسهيل مأموريته. لكن إدارتنا أقبرت هذا المشروع مركزيا وجهويا ومحليا... وها قد تم إحياؤه سنة 2015م وبعد مرور أكثر من سنة على الاشتغال بقيت دار لقمان على حالها... ولن نكون مغالين إذا رأينا أن شروط "إنتاج المصاحب الفعال" لم تنضج بعد... وخطوة مثل هذه إنما هي بمثابة الصيحة في الوادي.
3.     إعادة الاعتبار لجهاز التفتيش ومنحه استقلالية تامة، ليس في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني وحدها، ولكن على مستوى جميع الوزارات ذات الطابع العمومي أو شبه العمومي، مع تفويضه صلاحيات افتحاص وتقويم وتأطير المؤسسات الخاصة.
ويمكن أن يكون تابعا لمهام وصلاحيات رئيس الحكومة مباشرة. فالمفتشيات العامة لا ينبغي ان تخضع لإملاءات وزير أو سلطة مدير مركزي أو جهوي أو إقليمي... وإنما، ولكي تكون نزيهة في تقاريرها وأبحاثها وملاحظاتها، لابد أن تتموقع على نفس المسافة من الجميع.
في وزارة التربية الوطنية المغربية تم سحب جميع الصلاحيات من المفتشين، وقليلا هم الذين نجحوا في الحفاظ على سمعتهم وكرامتهم وحريتهم بعيدا عن الخضوع الأعمى للإدارة بجميع تلاوينها وأصنافها... أما الشرذمة الغالبة فانخرطت في متاهات وصراعات ما أنزل الله بها من سلطان... بعضها تنكر لنقابة المفتشين وجمعياتهم ولمنظمتهم ككل ليداهنوا الإدارة متملقا ومستسلما لشروطها، وعلى رأس تلك الشروط "تفكيك العقل الجمعي للمفتشين" الذي كان يعمل بروح جماعية و"تضامنية"، وصفها الوزير الأسبق عبد الله ساعف بغير القابلة للتطور، لأن الهيأة رفضت اقتراحه بتغيير مفتش "إلى مشرف أو مكون أو مراقب"، وهي كلها ألفاظ تدل في مدلولاتها اللغوية على التحكم، وتحيل على التوجيه القسري، وفرض الرأي الأحادي؛ وربما قد يتجاوز بعضها ما يحمله "التفتيش التربوي" من أهداف وغايات ومقاصد إصلاحية: كالمصاحبة والتقويم والمعالجة والدعم والتتبع. بعض العناصر المحسوبة على مؤسسة المفتشين تتحمل مسؤولية كبرى في هذا التحامل الذي طالها، لأنها مارست التفتيش البوليسي، والتعسف التسلطي، والفساد الإداري... فافتضح أمرها وذاع سوء صيتها، ففقد الجهاز كله جاذبيته، وانهارت معنوياته وهو يدافع عن سلوكات بعض أعضائه باسم التضامن المهني، وهنا تشبت غريق بغريق فغرقا معا... وكان حريا بالجهاز أن يتخذ إجراءات انضباطية في حق هؤلاء. استغلت الإدارة مثل هؤلاء للتشهير بكل الهيأة، وهو حق أريد به باطل حيث مارست التشطيب المادي والمعنوي في حق أطر يشهد لها القاصي والداني بالقدرة والكفاية والدراية والعلم. لم يكن يدور في خلد مسؤولين أبدا أنهم عازمون بالفعل على إصلاح هذه المنظومة، بقدر ما كانت شطحاتهم من حين لآخر تروم كسب الوقت لا غير... ولو كانوا راغبين في التغيير حقا ما استمالوا من مجموعة من الانتهازيين والبراغماتيين، وتنصيبهم ــ ضدا على تذمر الجميع ــ في مراكز المسؤولية وطنيا أو جهويا أو إقليميا. وفي المقابل تم العمل على شن حرب لا هوادة فيها على كل مشرف تربوي يؤطر ويعالج ويتنقل بين المقاطعات ميدانيا، بل أكثر من ذلك سلطوا على هذه الفئة الأخيرة الانتهازيين من بني جلدتهم ليحاربوهم سرا وعلانية. لقد أحاط المسؤولون بأنفسهم سياجا واقيا من الاحتجاجات والتظلمات والشكايات،  ورموها في نصف ملعب المفتش "الإمعة"، صاحب المواقف المتذبذبة، فأوكلوا إليه الدفاع عن الإدارة ولو كانت ظالمة؛ ومع الأسف فبعض المفتشين قبلوا هذه الإهانة، فخسروا هيأتهم، كما خسروا رجال ونساء التعليم. ومهما يكن فالإدارة والانتهازيون لم يتحملوا المسؤولية المنوطة بهم، اعتبروها تشريفا لهم، وجزاء على تقاعسهم، ومحاربتهم للمدرسة العمومية، في مقابل الدعاية للمدرسة الخصوصية من مركز مسؤولية! إن هؤلاء هم الذين أغرقوا سفينة التعليم العام. والأدهى والأمرّ أنهم أفلتوا من العقاب لأنهم كانوا دائما متهورين شجعوا الارتجالية والتسرع والعشوائية، وحاربوا التقويم الموضوعي كي لا يفتضح أمرهم.

وهكذا فلن يجدي كلام شهد زاد عندما يدركها الصباح، وعليه فهي تلجأ الى السكوت خاصة عند علمها بأن المغرب من الدول القلائل الذين لا يقومون موظفيهم وربما هو الدولة الوحيدة التي لم تستوعب مفهوم الاستفهام الاستنكاري الذي يطرحه القران الكريم على اولي الالباب لعلهم يبادروا لاعمال العقل: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ " سورة الزمر... وبالمغرب والعالم العربي، ابتليت شعوبنا باشخاص كثيري العناد، شديدي المجادلة، وضعيفي المردودية مع الاسف، وبالتالي ينسحب عليهم قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير " سورة الحج.
) الامتحان : هل يعقل ان يبقى المغرب متشبثا بفكرة أكل عليها الدهر وشرب، وهي من معطيات القرنين 19 و 20: " عند الامتحان يعز المرء او يهان "...فالامتحان في تلك الحقبة كان وطنيا وقنطرة مرور نحو تحمل المسؤولية في وظيفة رسمية، ومع ذلك فالدول المتقدمة والصاعدة معا تجتمع على كلمة سواء " التقويم عوض الامتحان "...فالتقويم هو تصحيح وتشخيص ومواكبة ومعالجة وقياس ومصاحبة وجزاء أوفى...اما الامتحان فيعني اضمار نية الاقصاء والابعاد والتهميش، واستحضار عقد الممتحن (بكسر الراء) من استعراض للعضلات والنشوة لهزيمة الآخر، واظهار سوء الظن بالممتحن (بفتح الراء)، واذلاله والرغبة في جعل الامتحان مناسبة لتصفية حسابات قديمة، وتنزيل اوهام واعتقادات لا اساس لها من الصحة، واستعراض عضلات المسؤولين تظهر من خلال بلاغات استفزازية على امواج الاذاعة وشاشة التلفزة، يتفنن كاتبوها ومقدموها، والواقفون وراءهم الى تحميل الطرف الاضعف (وهو المتعلم) مسؤولية احداث لا ناقة ولا جمل فيها، ولا عهد له بها مغلفين بلاغاتهم بأشد عبارات التنديد والوعيد، متحدثين بلغة المسيطر الذي تعود محاكمة نيات الآخرين وحبس أنفاس كل من يعبر عن رأي حر.
الامتحان اهدر طاقات مجتمعية ذكية واخرى مغبونة اجتماعيا، واستفاد من " صدقاته " و "شطحاته " المتوسطون اي المذبذبون لا الى هؤلاء ولا لأولائك ...وبذلك فالامتحان يعمل على محاربة واقصاء كل ذي موقف متميز، او من يؤثر الفهم على الحفظ والاستظهار، وهو مع صاحب الإمعة الذي يميل حيث تميل الريح، الامتحان زميل لكل انتهازي براغماتي يؤمن بأن الوسيلة مشروعة مادامت توصل الى الهدف حتى ولو استنكرها كل من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد. 

5) أدركت "أنجيلا ميركل" المستشارة الألمانية أن إحدى اللبنات الأولى والأساسية في خلق وتنشئة ألمان صالحين، هي المعلم، وعليه فإن النظرة العربية الرسمية والشعبية لا بد لها أن تتغير اتجاه هذا الذي قال في حقه أحمد شوقي أمير الشعراء:
قم للمعلم وفه التبجيلا             كاد المعلم أن يكون رسولا
وكان أحد أساتذتنا الأجلاء بالمركز الوطني لمفتشي التربية والتكوين بالرباط دائما يردد شعرا في حق (المعلم الحقيقي)، إشادة بأدواره، واعترافا بمهامه:
فاصبر لدائك ان جفوت طبيبا             واصبر لجهلك إن جفوت معلما
يموت قوم فيحيى العلم ذكراهم           ويلحق الجهل أحياءهم بالأموات
وهنا وجب محاربة التحفظ الذي يركبه المسؤولون من أجل خلط الأوراق:
v    إن العناية والاهتمام والرعاية والتكريم ينبغي أن تصب في مصلحة مدرسي ومدرسات "الابتدائي" الذين يحتقرهم زملاؤهم في باقي الاسلاك، ويطلق الجاهلون الذين لا يعلمون، ولا يدرون أنهم لا يدرون، حتى وإن تقلدوا أعلى المناصب في أجهزة الدولة... أجل يطلق الجاهلون ألسنتهم بالسوء في حق رجال ونساء ترفرف حولهم ملائكة الرحمة بأجنحتها مثنى وثلاث ورباع، وتستغفر لهم إذا أخلصوا عملهم لربهم ولضميرهم ولوطنهم، وادوا رسالاتهم في صمت ونكران ذات على غرار الأنبياء والمصلحين.
v    إن الجاهل الذي يطعن في رجال ونساء التعليم، ويتعرض لهم بسوء، وينكر اجتهادات وسهر وتعب بعضهم، ويتنكر لتضحيات عدد غير قليل منهم... إنما يبدو لي كالذي يرميني بالحجارة في الشارع، ويشبعني سبا وشتما وقذفا، وبعد ذلك أعرف انه أحمق يعمل خارج القانون، فألتمس له الأعذار، وقد أبدي تعاطفا ما معه، هذا الاخير يدخل في قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج سورة النور الآية 61. والأول (الجاهل) أوصاني به ربي، ووجهك إلى عدم مؤاخذته لأنه لا يمثل شخصا سويا، بل هو شخصية معطوبة مضطربة تحتاج إلى الحنان، وتفتقد إلى الحب الإنساني المفضي إلى الأمن الروحي والتقبل الوجداني: ﴿خذ العفو، وامر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين﴾.
6)    من أجل المساهمة في حل معضلة التعليم المتفرعة إلى أزمات تعليمية، إدارية، مدرسية، تربوية، قيمية واقتصادية، عولمية... فإننا نلتمس من المسؤولين الجدد العمل وفق المنهجية الآتية:
a)     اعتماد سياسة تربوية واضحة المعالم:
a.1.الاستثمار في الأستاذ: عبر تعاقد واضح معه على إنجاز مشروع بيداغوجي في زمن معين، وبإمكانات متوفرة، وبقدرات يمكن تفجيرها عن طريق التكوين المستمر.
a.2.الاستثمار في المتعلم: بتحديد مواصفات التلميذ المتخرج في سلك من الأسلاك، والتركيز على كفايته المستهدفة، وبناء التقويم على المقارنة بين المدخلات والمخرجات، عبر التتبع المسترسل للمؤسسة التعليمية ككل.
a.3.تحفيز الإدارات والمؤسسات التي تحقق نتائج ملائمة لمخرجات العملية التربوية، وتروم تحقيق مكتسبات متدرجة بعيدا عن لغة الحربائية أو التحايل أو المكيافيلية.
a.4.التركيز على التكوين المستمر كاستراتيجية لتجاوز المستجدات البيداغوية، وتمتين محطة التكوين الاساس كرفع سقفه إلى سنتين: تخصص الأولى للدراسات والأبحاث التربوية تمرر عبرها مصوغات ديداكتيكية وظيفية؛ على أن يتم التركيز في الثانية على الزيارات الميدانية، والانكباب على بحث تقويمي ملائم لملاحظات علمية، منطلقا من ظاهرة واقعية تشكل عائقا تعليميا تعلميا بالفعل... مع إعطاء الأولوية للتكوين والتقويم والتصحيح، وليس للامتحانات والشكليات.
b)    "إطلاق سراح" المعفيين والمقصيين والمظلومين الذين ينتظرون من رئيس الحكومة تحمل مسؤوليته التاريخية في إعادة قطار التعليم إلى مساره الصحيح عبر تطبيق الحديث النبوي: ﴿انصر أخاك ظالما أو مظلوما بالمفهوم الإيجابي للحديث. مع العلم أن رئيس الحكومة يترأس حكومة "كل المغاربة"، ومن ثم بات ملزما بإنصاف المظلومين الذين ظلمتهم الأيادي التي اعتادت إسكات كلمة الحق بعصا الباطل. نفس النداء نوجهه إلى السيد وزير التربية الوطنية والتعليم العالي ليساهم ــ بما أوتي من قوة ــ في حل المشكلات العالقة بقطاع التربية والتكوين، وإن فعل فإنه سينال شرفا كبيرا وذكرا حسنا في مذكرات الباحثين الموضوعيين. إن الأشخاص المشار إليهم اعلاه هم أحرارعلى مستوى الجسد، أما أرواحهم فهي كالطائر المذبوح، ترفرف أجنحته بقوة رافعة ظلمها إلى بارئها. أما أنفسهم فممزقة وتائهة بين نزوات وعواطف "الهو"، وسلطة "الأنا الأعلى". إننا نناشد السيد الوزير والدكتور خالد الصمدي ليعملا يدا في يد من أجل إعادة البسمة إلى الشفاه اليابسة والقلوب اليائسة، لعينات من نساء ورجال التعليم، ونطالبهما بما يلي:
-       فتح تحقيق موضوعي في ملابسات اعفاء أكثر من 140 إطارا من الأطر المشهود لها بالكفاءة، لا لشيء سوى لأنها منتمية ــ كما يروج ــ لجماعة إسلامية! ومتى كان القانون المغربي يعاقب على الانتماء للدين الإسلامي؟
-       إحالة هذا الملف على القضاء ليقول كلمته العادلة، شريطة التزام حكومي صريح بتنفيذ أحكام القضاء الذي لن يكون إلا نزيها في مثل هذه الحالات. فالإعفاءات تفتقر إلى السند الإداري والقانوني.... والقاضي لا يمكنه إلا أن يكون مع إرجاع الحقوق لأصحابها... المعفيون لم يستفسروا، لم يحالوا على مجلس التأديب، لم يتوصلوا برسائل إنذارية، لم يتم تكوين ملفات خاصة بهم. فلماذا إذن يعاقبوا؟ هذه إهانة.
3.     هناك قانون أساس لموظفي وزارة التربية الوطنية صادر سنة 1985م، وآخر رأى النور سنة 2003م... وقد خلفا ضحايا كثيرين.... صحيح أنه من المحال إرضاء كل الناس في جميع الأحوال... ولكن من الممكن جبر الخواطر، واللجوء إلى الصلح عبر الإنصاف... فحل مشاكل هذه الفئات المتضررة من شأنه حلحلة جوانب راكدة من مشاكل التعليم التي تقف وراء "الاحتقان الاجتماعي". وإذا كان لكل قانون ضحايا، فالعالمون ببواطن الأمور يعلمون أن الضحية غالبا ما يتم استرضاؤه اعترافا وتعويضا بالعودة إلى مصادر المشكلة...
ولو عدنا إلى وضع اليد على الداء، لوجدنا أن داءنا في المغرب يتسرب عبر الدواء الخاطئ الذي نصفه لمرضانا... ليس لأن المسؤول أخطأ، ولكن لأن نيته كانت مبيتة منذ الوهلة الأولى، وأكيد أنه عالم بما سيقع، فهو يخدم أجندة أشخاص يديرونه تماما كما تدار التلفزة بجهاز التحكم عن بعد. ضحايا النظامين الأساسيين السالفي الذكر يعانون الأمرّين، والنقابات تتاجر بملفهم. التنسيقية لا يعترف بها القانون، الأحزاب السياسية لا يهمها إلا من يرفع شعار (الولاء المطلق) للغة الخشب التي اعتادت التحدث بها، فانفض الناس عنها وانتفضوا في وجهها لأنهم لا يفهمونها، وكيف سيتفاهمون معها وهي تتكلم حديثا مصلحيا لا يمت بصلة لا للفلسفة ولا للمنطق ولا للعلم ولا للأخلاقيات ولا للدين.
المطلوب من وزير التربية الوطنية والتعليم العالي أن يكون مرسلا ومرسلا إليه في نفس الوقت بمعنى أن يستحضر أن (رأي الدولة) ليس دائما هو الصائب... فالشافعي رحمه الله ذكّر بهذا: "رأيي صواب يتحمل الخطأ، ورأي غير خطأ يتحمل الصواب". والتراجع عن الرأي المتصلب هو فضيلة لأنه علامة الاعتراف، ودليل نضج الشخصية، وليس مؤشرا على الهزيمة أو الضعف كما تروج لذلك أبواق "العقلية المغربية المتخلفة".
4.     هناك رجال ونساء التفتيش ينتظرون من حكومة المملكة المغربية أن تنكب على إصلاح جوهري في حقل التربية والتكوين، وذلك بإعادة الاعتبار للمفتش التربوي لمؤسسة تضطلع بهندسة تخطيطية تدبيرية تقويمية لكل محطة من محطات الإصلاح، تشرف على العملية مواكبة وإجراءات تساهم في التقويم والتصحيح والمعالجة، وتتحمل مسؤولياتها في النتائج، ولكن شريط الاعتراف بهذه المؤسسة، وتكريم صاحبها بالاعتراف له بمعادلة دبلومه لشهادة إجازة مهنية. فالعجيب في الأمر أن المفتش مستبعد رغم أنه أعد إعدادا ليضع الخطط، ويواكبها ويصححها... لكن الإصلاح يخرج من دار الإدارة مائلا لا يستقيم على حال، وهناك في المغرب إدارة مستبدة تتعصب لآرائها الأحادية، وإن كان انفتاح على الآخر فإنما يتم لإرضاء جهات خارجية في إخراج تجميلي مشوه. تصوروا معي أنني كمفتش كنت أقتني من السوق كتيبات تهم "مدرسة التكافؤ والإنصاف" بـ 15 درهم للنسخة سنة 2015، في حين أنها كانت تسلم لمن هب ودب بالمجان في اجتماعات "الولايات والعمالات"... تقدم للسلطة كهدية، في حين يحرم المتلهفون لتنزيل الإصلاح من أدبياتها ومضامينها، وكأني بالساهرين على تنزيل الرؤية الاستراتيجية يترفعون عن المفتش لا يعتبرون أدواره، بل ولا يعترفون حتى بأنه موجود جريا وراء تمثلات عامة الناس حول هذا الإطار التربوي. ولهؤلاء نؤكد أن بعض المفتشين كانوا منكبين على تأطير مقاطعتهم التربوية بإخلاص، وفي صمت نكران ذات، بينما الان ابتليت وزارتنا بأشخاص يجيدون التقييم العشوائي في زمن الإدارة المتخلفة التي تعكس تصرفاتها عقلية مجتمعية مستبدة تسود ولا تعمل، ويسيئها أن يعمل الآخرون، بسبب النظرة القاصرة "ومن زاوية ضيقة" لكل الأمور في غياب تام للحل الشمولي الذي يتطلب استحضار جميع جوانب المشكلة، القريبة منها والبعيدة. هناك مؤطرون تربويون تخلوا عن الدراسة الجامعية، والاستفادة الآنية والمستحقة من رئاسة مصلحة أو نيابة... لفائدة الأساتذة والتلاميذ والبيئة المؤطرة لمدارس التأطير.
5.     إعادة النظر في ترسيب 158 أستاذا وأستاذة من الذين كان يطلق عليهم مصطلح "أساتذة الغد"، لا شيء سوى لأنهم ينتمون لجماعة محظورة سياسيا، والعهدة على الصحافة التي تذهب إلى حد الجزم في ذلك كسبب وحيد لفشلهم في الامتحان وعلى السيد الوزير أن يعلم أن "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"...
يمكن ممارسة ضبط النفس من طرف "الفاشلين" في الامتحان وينبغي ممارسة منطق التعقل من لدن دوائر القرار وأن يضع كل من المتخاصمين نصب عينيه على أنه لا يمكن إنكار المشكلة أو التنكر لها، بل أن يعمل الفريقان معا بفكرة أنهما جزء من الحل، والحل لن يكون إلا وفق أسلوب G/G أي رابح/رابح. فالعقلاء منزهون العبث... ولا داعي للتخفي وراء تعليقات "بعض القراء المأجورين" الذين يستمعون القول فيتبعون أسوأه.
جل القراء تنقصهم استراتيجية النقد البناء: فهم يتعاملون مع الفكرة بمنطق صحيح أو خطأ... ومعلوم لدى الفلاسفة والمناطقة أن المسافة شاسعة بين النقيضين، وهناك مساحة كبيرة بين الطرفين المتطرفين يمكن استغلالها في استنباط إجابات وحلول شافية.
ولهذا تجد ــ أغلبية المعلقين ــ ينبطحون أمام الخبر الرسمي، فلا يسلطون عليه مسلاط التفكير النقدي... ومعلوم أن: الخبرمقدس والتعليق حر. وتمحيص الخبر لا يعني التشكيك فيه أو رميه جانبا، بقدر ما يعي استجلاء ملابساته والوقوف عند انسجامه وملاءمته ومصادره، قبل قبوله أو رفضه... والرفض أو القبول يكون نسبيا أي بدرجات، وهنا يأتي التعليق قويا معبرا عن درجة التفاعل مع الحدث... أما أن ننطلق من نيات مبيتة، ونساير الذين في قلوبهم مرض، ونؤمن بأن 158 شخصا من بين 10.000 تحصلت على نقط سيئة لا تشرف الآباء ولا المدرسة ولا الأساتذة... فهذا كلام فيه نظر... طيب، هناك ملاحظات سأطرحها بحكم خبرتي في التعليم وعلاقاتي بالامتحانات:
1.     هل الناجحون نجحوا بالفعل، أم نتيجة اتفاق رسمي بين الحكومة وفوج (10,000 أستاذ للغد) والوسطاء والنقابات... يقضي بتوظيف الفوج دفعة واحدة وبجميع عناصره؟
هل 158 أستاذا هو العدد الفعلي لمن يستحق الرسوب؟ وإذا صدقنا رواية وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني بأن هؤلاء حكمت عليهم لجن الامتحان بالرسوب وكان تقويمهم موضوعيا! فهل كان تقويم 10,000 – 158 = 9842 موضوعيا وصالحا وصادقا ومستمرا وشمالا؟ أم شابته توافقات كانت هادفة لإقصاء من ينبغي إقصاؤهم، من الذين أرهقوا الحكومة وأرغموها على توقيع محضر صعب الهضم... بل استطاعوا استقطاب محطات أجنبية وضحت للمغاربة معاناة هؤلاء الشباب، من مثل "قناة الجزيرة"، "France 24"، "العربية"... فتعاطف معهم المغاربة، وانتزعوا حقا كان "المسؤولون" يعتبرونه مستحيلا.
2.     هذا الفوج؛ في نظري؛ كان من الممكن أن يتخرج دون تكوين أصلا؛ أو نمدد له ليتمكن من الانخراط كلية عبر تمديد التكوين إلى غاية 30/06/2017م، وهو حل لم يكن "أساتذة الغد" يرفضونه... وما كانوا يرفضونه بصريح العبارة هو رسوب مجموعة مقابل "نجاح مجموعة".
3.     لو عدنا على أوراق 9842 ناجحا، وتفحصناها جيدا لوجدنا العجب العجاب بين ثنايا السطور... ومن العار ألا يتسم تقويم الطلبة والتلاميذ بالموضوعية على مستويات ثلاث: المعيارية والمؤشرات والمعالجة، في أفق استحضار الملاءمة أو الوجاهة (كما تسمى في الجزائر الشقيقة) والانسجام، والاستعمال السليم لأدوات المادة، ثم تنظيم ونظافة ونوعية الإنتاج...
4.     وهكذا فلن يجدي كلام شهد زاد عندما يدركها الصباح، وعليه فهي تلجأ الى السكوت خاصة عند علمها بأن المغرب من الدول القلائل الذين لا يقومون موظفيهم وربما هو الدولة الوحيدة التي لم تستوعب مفهوم الاستفهام الاستنكاري الذي يطرحه القران الكريم على اولي الالباب لعلهم يبادروا لاعمال العقل: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ " سورة الزمر... وبالمغرب والعالم العربي، ابتليت شعوبنا باشخاص كثيري العناد، شديدي المجادلة، وضعيفي المردودية مع الاسف، وبالتالي ينسحب عليهم قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير " سورة الحج.
5.     4) الامتحان : هل يعقل ان يبقى المغرب متشبثا بفكرة أكل عليها الدهر وشرب، وهي من معطيات القرنين 19 و 20: " عند الامتحان يعز المرء او يهان "...فالامتحان في تلك الحقبة كان وطنيا وقنطرة مرور نحو تحمل المسؤولية في وظيفة رسمية، ومع ذلك فالدول المتقدمة والصاعدة معا تجتمع على كلمة سواء " التقويم عوض الامتحان "...فالتقويم هو تصحيح وتشخيص ومواكبة ومعالجة وقياس ومصاحبة وجزاء أوفى...اما الامتحان فيعني اضمار نية الاقصاء والابعاد والتهميش، واستحضار عقد الممتحن (بكسر الراء) من استعراض للعضلات والنشوة لهزيمة الآخر، واظهار سوء الظن بالممتحن (بفتح الراء)، واذلاله والرغبة في جعل الامتحان مناسبة لتصفية حسابات قديمة، وتنزيل اوهام واعتقادات لا اساس لها من الصحة، واستعراض عضلات المسؤولين تظهر من خلال بلاغات استفزازية على امواج الاذاعة وشاشة التلفزة، يتفنن كاتبوها ومقدموها، والواقفون وراءهم الى تحميل الطرف الاضعف (وهو المتعلم) مسؤولية احداث لا ناقة ولا جمل فيها، ولا عهد له بها مغلفين بلاغاتهم بأشد عبارات التنديد والوعيد، متحدثين بلغة المسيطر الذي تعود محاكمة نيات الآخرين وحبس أنفاس كل من يعبر عن رأي حر.
6.     الامتحان اهدر طاقات مجتمعية ذكية واخرى مغبونة اجتماعيا، واستفاد من " صدقاته " و "شطحاته " المتوسطون اي المذبذبون لا الى هؤلاء ولا لأولائك ...وبذلك فالامتحان يعمل على محاربة واقصاء كل ذي موقف متميز، او من يؤثر الفهم على الحفظ والاستظهار، وهو مع صاحب الإمعة الذي يميل حيث تميل الريح، الامتحان زميل لكل انتهازي براغماتي يؤمن بأن الوسيلة مشروعة مادامت توصل الى الهدف حتى ولو استنكرها كل من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد. 
7.     وفي الاخير وجب القول مع الدكتور عبد العزيز العمادي : إن ازمة التعليم ليست بالمستغربة ، لأن المجتمع اذا كان مأزوما فالتعليم سيكون مأزوما.
كما نتفق مع الدكتور عبد المالك التميمي الذي يقول : " المشكلة ان نريد ان نصلح التعليم من خلال مخرجات التعليم، بمعنى اذا كان لديك تعليم فاسد فأنت تعمد الى اصلاح ذلك التعليم بالفاسدين."
ونشاطر رأي الاستاذ عبد المنعم عثمان الذي يشير الى ان الاستعارة الثقافية تمثل جزءا من عملية الحلقة المفقودة ما بين الاهداف العامة للنظام التعليمي والتغيرات الحديثة في المجتمعات. فهو يندد بالاستعمار قديما وحديثا ما دام هو الواقف وراء فرض التعليم الذي يريده على الدول الصاعدة والنامية.

ولله الامر من قبل ومن بعد.
والسلام عليكم ورحمة الله

تعليقات


جريدة الأساتذة

محرر في موقع الأساتذة للمواضيع التربوية و الوثائق التي يحتاجها كل الأساتذة و التلاميذ .