موقع الأساتذة موقع الأساتذة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎


على سبيل الافتتاح:
بمجرد انقضاء أيام الأسبوع الدراسية بثانوية 11 يناير التأهيلية، يتملك التلميذة لمياء شوق دفين لملاقاة الأهل والأحباب، تستقل لمياء كعادتها سيارة التاكسي، للوصول إلى دوار الشروعة مسقط رأسها، بعد مدة غير يسيرة يصل التاكسي إلى الدوار، تنزل لمياء من السيارة وتترك لعينيها فرصة إجالة النظر في الطبيعة الخلابة، والحقول الخضراء، التي تحفل بها منطقة الشروعة، تتراءى لها بعض الأراضي، التي تسر الناظر، لكن سرعان ما يتحول هذا الحنين الدؤوب لمعانقة أحضان القرية، إلى خيبة كبيرة، ترتسم على شكل حسرة، نتيجة تلوث الوادي المتواجد بقريتها، والذي تنبعث منه روائح كريهة تزكم الأنوف. هذه الروائح تحرم لمياء وأمثالها من سكان الدوار من لذة النظر إلى الخيرات الطبيعية، التي حبا بها الله المنطقة. فريق التحقيق الصحفي اقتفى أثر هذا المشكل، وندب كل الجهود، بغية استقصاء الأسباب، والبحث في العوامل المفضية إلى تلوث هذا المجرى المائي، الذي كان على امتداد عقود سحيقة وسنين مديدة، مصدر حياة لنبات دوار الشروعة وساكنتها.

ماضي وادي الشروعة: تاريخ لا ينسى

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎

تقع منطقة الشروعة التابعة لجماعة المشرك على بعد 10 كيلومترات من مدينة سيدي بنور، تحيط بها مجموعة من الدواوير، من بينها السلاهمة، وزمران، والمباكرة، والدحامنة. تمتاز المنطقة بكثافة سكانية مهمة تعيش داخل تجمع سكاني واحد، يتجلى النشاط الاقتصادي، الذي يمارسه أغلب السكان في الفلاحة، وتتسم المنتوجات الزراعية بالمنطقة، بالتنوع والتعدد؛ إذ نجد أن المحصولات تنصرف بالأساس إلى الذرة والقمح والشعير والشمندر، بالإضافة إلى زراعة "الفصة"، التي تعد مصدر كلأ لماشية الدوار ودوابه. ولا ريب أن هذه الأراضي الزراعية، تحتاج إلى الماء، لأجل أن تجود بخيراتها على الساكنة  والماشية، ويبقى المغيث الوحيد لهذه الأراضي هو الوادي، الذي  يحف بجنبات دوار الشروعة، ويحيط بها.
إن جذور وادي الشروعة ضاربة في أعماق التاريخ، حيث نلفي أن وجود هذا الوادي كان قبل تشييد مدينة سيدي بنور وبنائها، وكان هذا الوادي في الأصل عبارة عن سيل، يأتي من منطقة الرحامنة على بعد 88 كيلومترا، ومرد حفر هذا الوادي يرجع إلى اكتساح السيل لنسبة كبيرة من أراضي المنطقة وإفسادها، حيث تجمع هذا الماء على شكل برك مائية، أطلق عليها سكان القرية اسم "البركع"، الذي يفيد حسب عرفهم تجمع مياه السيل. أمام هذا الوضع العسير، وخوفا على أراضيهم من التلف والضياع، لجأ السكان إلى حفر واد يسعف في جريان هذه المياه، ويحمي الأراضي من مغبة الضياع. وقد تم حفر الوادي سنة 1960، من طرف مجموعة من شباب القرية العاطلين، تحت إشراف رجل يدعى "الدكالي"، ويحكي محمـد في عقده الثامن، أن كل مساهم في حفر وادي الشروعة كان يتقاضى وقتئذ، أجرا يوميا يقدر بستة دراهم ونصف، وأن هذا الأجر

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎

ساعده في إعالة أسرته، وتوفير القوت اليومي لأبنائه، ويضيف محمـد، الذي تشي نظراته بالحسرة، أن الوادي كان يعود في الماضي بالخير الكثير، والنفع العميم على الساكنة؛ إذ كان يتخذه الناس لسقي الأراضي الزراعية، وللسباحة عند اضطرام أوار الحر، والتنظيف، بل إن الوادي كان يستعمل للشرب، نظرا لصفاء مائه وعذوبته.
حاضر الوادي: واقع أليم
هذا التاريخ المشرق للوادي انحسر اليوم، وتحول إلى بقايا وأشلاء، تغير الوادي من منبع حياة للعديد من الكائنات، إلى مصدر سموم يغصب النفوس، ويغتال السكان والنبات؛ ويحكي سكان المنطقة أن بداية تلوث الوادي كانت سنة 2000، وتبقى مسؤولية تلوث الوادي مشتركة بين مصنع السكر المتواجد بمدينة سيدي بنور وساكنة دوار الشروعة ومدينة سيدي بنور، فمن جهة يطرح المصنع مخلفاته الكيماوية السامة والضارة
مثل الملح ومادة "الفيول" في الوادي الحار، الذي يحمل تلك المواد السامة  إلى وادي الشروعة، ومن جهة أخرى يسهم سكان الدوار كذلك بنصيب وافر في هذا التلوث؛ إذ يلقي السكان بمخلفاتهم المنزلية، وكذا جثث الماشية الميتة، في وسط الوادي أو على هامشه، ويعزى سبب رمي السكان للأزبال في قعر الوادي، إلى غياب مطرح للنفايات، يخلصهم من براثن الأزبال وويلاته،

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎


بالإضافة إلى هذين العاملين، يبقى لمخلفات قنوات الصرف الصحي الخاصة بمدينة سيدي بنور، بالغ الأثر في تلوث هذا الوادي، حيث تُطرح هذه المخلفات في مجرى مائي، يصب بدوره في وادي الشروعة.
إن هذه العوامل متضافرة أدت إلى تلوث وادي الشروعة، الأمر الذي أفضى إلى انعكاسات وخيمة على الأراضي والساكنة؛ ففيما يخص الأراضي نجم عن هذا التلوث ضعف جودة التربة، وهو ما غدا يدفع ساكنة الدوار إلى استعمال الأسمدة الكيماوية، بغية أن تسترجع التربة قدرتها الإنتاجية، كما أن هذا التلوث دفع السكان إلى التخلي عن فكرة زراعة الخضر، والاقتصار على زراعة الحبوب، مثل القمح والشعير، بالإضافة إلى زراعة "الفصة" و"البرسيم"، ككلأ للماشية، ويؤكد عبد الله بن إبراهيم أحد سكان الدوار أن تلوث الوادي يشتد خصوصا في شهر أبريل وماي ويونيو ويوليوز (أي ما يقارب ربع العام)، ويضيف المتحدث قائلا: "إن هبوب الرياح يعمل على نثر رائحة الوادي الكريهة ونشرها على كل ساكنة الدوار"، وأبرز كذلك أن الزائر إذا أتى إلى الدوار يستغرب من مدى قدرة السكان على تحمل تلك الرائحة النثنة المنبعثة من الوادي، ولكن السكان –حسب قوله- اعتادوا على هذا الوضع وأصبحوا يتعايشون معه، واسترسل المتحدث  قائلا: "إن ساكنة الدوار فقدت الثقة في هذا الوادي، ولم تعد تعول عليه بشكل كبير، وأصبحت تعتمد بدلا من ذلك على مياه الأمطار،  غير أن السكان على حد تعبير عبد الله  بن إبراهيم وعلى الرغم من هذه التبعات، التي يستجلبها الوادي لا زالوا يلجؤون إليه، لكونه المغيث الوحيد لهم، وكما جاء على لسان الشاهد ف"الجائع لا يعزل"، و"العطشان قد يشرب الماء المالح إذا لم يجد بديلا" كتفسير منه لحال سكان الدوار، الذين يلعنون تلوث الوادي، ولكن  في الآن نفسه لا سبيل لهم


تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎

في السقي إلا إليه. وتبقى العبارة الوحيدة، التي تترد على لسان أحد ساكنة الدوار هي: "ضَيَّعَنَا المَاءُ" إشارة منه إلى أن المنطقة تتسم بشساعة الأراضي الزراعية، لكن المياه تقف حاجزا مانعا أمام تنمية المنطقة فلاحيا.
وتحكي إحدى نساء دوار الشروعة نِكَايَةً بتلوث الوادي، أن شخصين كانا في طريقهما لتقديم العزاء إلى أسرة تقطن بدوار آخر، فسقطت بهم العربة في الوادي، ولما نهضا أخذ أحدهما يبحث عن الآخر، فلم يتعرف أحدهما على الآخر إلا بصعوبة، بسبب الوحل، المتواجد بالوادي، والذي اعتلى وجهيهما، وجعل الواحد منهما لا يعرف صديقه الآخر. وجاء على لسانها كذلك أن أحد أبناء الدوار وهو يهم بالسباحة في
الوادي، أصيب بجرح غائر نتيجة الزجاج الملقى في الوادي.
تلوث مياه وادي الشروعة: نظرة على آراء المختصين وأصحاب الرأي
وجه فريق التحقيق الصحفي مجموعة من الأسئلة الخاصة بتلوث مياه وادي الشروعة إلى أستاذة مادة علوم الحياة والأرض والباحثة في سلك الدكتوراه إيمان حدو، التي أفادتنا مشكورة أن استعمال المياه الملوثة في السقي يفضي إلى تلوث التربة؛ بحيث تتسرب المواد الكيماوية إلى الفرشة الباطنية المائية، كما أن هذه المياه تحدث تسممات، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور بعض الأمراض الخطيرة، من قبيل الكوليرا، وتضيف الباحثة أن
المياه الملوثة تؤثر على المنتوجات الزراعية أيضا، واختتمت المتحدثة كلامها بأن الناس لا زالوا يعتقدون أن الكشف عن الأمراض المرتبطة بالماء يرجع أساسا إلى الكشف بالصدى، متغافلين بذلك أن الوسيلة الأنسب للكشف عن الأمراض الناتجة عن الماء هي القيام بتحليلات طبية، وقد لامست الباحثة من خلال دراسة قامت بها حول الأضرار الناجمة عن تلوث المياه، عدم الوعي المسجل لدى الناس بخصوص الإجراءات الكفيلة بالكشف عن الأمراض الناجمة، كما يبين ذلك المبيان الآتي:

تلوث مياه الوادي وأهداف التنمية المستدامة 17:  أواصر التباين وعرر الاختلاف
تلوث مياه الوادي وأهداف التنمية المستدامة 17:
أواصر التباين وعرر الاختلاف
   يتعارض تلوث وادي الشروعة مع أهداف التنمية المستدامة 17، التي أطلقتها الأمم المتحدة في فاتح يناير 2016، وهي عبارة عن خطة للتنمية المستدامة، تلتزم الدول بموجبها بالقضاء على كل أشكال الفقر، ومكافحة عدم المساواة، ومعالجة تغير المناخ، ويتركز الهدف السادس من هذه الأهداف في
ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي؛ إذ إن هذه الخطوة تعتبر أن التوفر على ماء صالح مع سهولة الحصول عليه، هو لازمة من لوازم هذا العالم، الذي نريد أن نحياه، وتتوقع هيأة الأمم المتحدة بخصوص هذا الهدف  أن بحلول سنة 2050 من المرجح أن يعيش شخص واحد على الأقل من كل أربعة أشخاص في بلد يعاني من نقص مزمن أو متكرر في المياه العذبة.
إن أهداف التنمية المستدامة 17، وخاصة منها الهدف السادس يتعارض مع مشكل تلوث وادي الشروعة، الأمر الذي يدفع إلى التفكير في حلول ناجعة لإنقاد هذا الوادي من مغبة الضياع، من قبيل تهييء مطرح للنفايات بدوار الشروعة، يجعل السكان يتنكبون عن إلقاء مخلفاتهم المنزلية في الوادي، وكذا البحث عن بديل لتصريف مخلفات مصنع السكر ومدينة سيدي بنور، عوض إلقائهم في السيل، الذي يحملها إلى الوادي.
على سبيل الاختتام: دَمْــعَــةٌ على الوادي
تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎
حاورها: رضا الغـنبــاز
1- ما مدى تأثير المياه الملوثة على صحة الإنسان؟
هناك نوعان من التلوث، تلوث ميكروبيولوجي، يوجد في مياه الوادي، وتسببه متعضيات وبكتيريات مجهرية، مثل الطفيليات، وهذه الملوثات يكون فاعلها الأول هو الكائن الحي، وتلوث كيميائي، تسببه مواد سامة من قبيل الفيول، الذي يشكل خطورة كبيرة على الكبد والكلي؛ إذ يصاب شارب هذه المياه الحاضنة لهذه المواد السامة بقصور كلوي، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الإصابة بسرطانات خطيرة على مستوى الجهاز الهضمي والعصبي.
2- أين تتجلى خطورة استهلاك المنتوجات الفلاحية المسقية بالمياه الملوثة:
تتجلى خطورة ذلك في تركز بعض المعادن الخطيرة في النباتات كالزئبق مثلا، الذي يستهدف الدماغ مباشرة، ويلحق به أضرارا وخيمة

المراجع المعتمدة في التحقيق:
* الأمراض المتصلة بالماء وعلاقتها بالمهن، إيمان حدو، إشراف عبد اللطيف الفاربي، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الجديدة، 2014/2015.
* موقع ويكبيديا.
* موقع الأمم المتحدة:
http://www.un.org/ar/index.html
 شكر وعرفان

لا يسع فريق التحقيق الصحفي في نهاية الشوط، إلا أن يزجي عبارات الشكر الجميل، والثناء العطر إلى كل من أسهم في تدليل صعاب هذا التحقيق، وإخراجه في حلة رائقة ورائعة، ونخص بالذكر:
* السيد محمــد كيالي مدير ثانوية 11 يناير التأهيلية.
* ساكنة دوار الشروعة.
* الأستاذة والباحثة إيمان حدو.
* الباحثة بمختبر التحليلات الطبية نادية.
فلهؤلاء ولمؤسسة محمـد السادس لحماية البيئة، التي أتاحت لنا هذه الفرصة، فائق الشكران وسابغ الامتنان.

تلاميذ الثانوية التأهيلية 11 يناير بمديرية سيدي بنور يتألقون في التحقيق الصحفي‎
مراسلة نور الدين طويلييع

عن الكاتب

profpress net

loading...

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

موقع الأساتذة