سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية الأولى: علي بابا و الأربعون لصا

جريدة الأستاذ موقع الأساتذة لكل ما يهم الأستاذ و التلاميذ وثائق دروس فروض

سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية الأولى: علي بابا و الأربعون لصا

يُحكى أنّه في بلاد فارس كان هناك شهبندر التجار – أي كبير التجار وأكثرهم أمانة ونزاهة– له ابنين، الأكبر يدعى قاسم وهو شاب غليظ القلب حاد الطبع، أما الأصغر فهو علي بابا المتواضع الطيب البسيط. توفي الأب و ترك أموالا طائلةً مؤلفةً من دكانين و بضائع وبيوت فخمة.
 استولى قاسم على هذه الثّروة الكبيرة بغير وجه حق، وصار تاجرًا غنيًا، ولم يمنح أخاه علي بابا سوى خادمة تدعى مرجانة و التي كانت رغم صغر سنها فطِنة وذكية وواسعة الحيلة، وكان علي بابا يعاملها كابنة له ويعيلها مما يكسبه من بيع الحطب.
 كل صباح يذهب علي بابا إلى الغابة، ليقطع الأخشاب ثم يحملها على حماره ويعود إلى المدينة ليبيعها ويكسب قوت يومه.
 وفي أحد الأيام استيقظ علي بابا كعادته في الصباح الباكر وصلى صلاة الفجر في المسجد، ثم توجه للغابة، وما إن وصل حتى سمع ضوضاء وجلبة، ورأى من الغبار سحابةً، فاقترب واقترب حتى وضحت الرؤية، فشاهد أربعين فارسا يمتطون خيولا أصيلة، يتقدمهم قائدهم الذي ترجل ومشى نحو كهف كبير وسط الغابة وصاح قائلا:” افتح يا سِمْسِم “.
 و يا للهول تحركت صخرة كبيرة من الكهف وانزاحت يمينا وثار الغبار في الجو مُشكِّلا هالة سوداء، وما إن انجلت حتى ظهرت فتحة وكأنها باب واسع، دخل القائد رفقة الفرسان وانغلق الباب خلفهم. ومكثوا في الداخل بعض الوقت ثم خرجوا ورحلوا عن المكان.
 اندهش علي بابا لِما رأى ودفع به الفضول لاستكشاف الأمر فتقدم نحو الكهف بحذر وقال: “افتح يا سمسم!” ، وإذا بالصخرة تنزاح من جديد؛ فدخل الكهف خائفا وفوجئ بقاعة واسعة مليئة بالقطع الذهبية والفضية، وأحجار كريمة ، وحلي وأوان فاخرة، فتساءل عن سر هذا الكنز العظيم ولكنه لم يجد إجابة.
 فكر قليلا ثم قرر أنه لا بأس إن أخذ القليل لنفسه ولبعض جيرانه الفقراء، تناول كيسا من على ظهر حماره وملأه ببعض القطع الذهبية وخرج من المغارة وقفل راجعا للبيت.
 وصل علي بابا وطرق باب داره فأسرعت مرجانة لتفتحه ولما رأت سيدها اندهشت وقالت : “السلام عليك يا سيدي خيرا إن شاء الله.. لماذا عدت باكرا على غير عادتك؟” .
رد علي بابا السلام وقال: ” كل خير يا مرجانة لا تقلقلي.. تعالي لأخبرك القصة ”
 فأخبرها بتفاصيل كل ما جرى معه فاستاءت وقالت: ” ماذا دهاك يا سيدي؟ هذا الذهب مال حرام وهؤلاء لصوص، مخبؤهم المغارة وعلينا أن نرجع هذا المال لأصحابه الأصليين، ولكن قبل ذلك علينا أن نزنه لنعرف مقداره، وإياك أن تخبر أحدا آخر بهذه القصة وإلا جنيت عليه وعلينا .”
 قصدت مرجانة بيت قاسم لتستعير المكيال، فاستغربت زوجة قاسم طلبها ودفع بها الفضول لأن تضع صمغا تحت إحدى كفتي المكيال وطلبت منها الاستعجال في إعادته.
 وزنت مرجانة الذهب ولم تتفطن للصمغ في المكيال حتى علقت به قطعة ذهبية وجدتها فيما بعد زوجة قاسم فسارعت إلى زوجها وهي تصيح: “قاسم ..قاسم هلم إلي هيا” أقبل قاسم فزعا وسألها: “ماذا جرى يا امرأة؟ ماذا هناك؟” فردت عليه: ” أخوك علي بابا صار غنيا” فقال: “ما بك يا امرأة علي بابا فقير معدم بالكاد يجد قوت يومه”، فقاطعته قائلة: “اُنظر هذه قطعة ذهبية التصقت بالمكيال الذي استعارته منا مرجانة منذ قليل”.
 أخذ قاسم القطعة الذهبية وتفحصها جيدا فوجدها حقيقية، ومن فوره هرع إلى بيت علي بابا ولما وصل أخذ يطرق الباب طرقا شديدا، فأصيب علي بابا بالهلع وأسرع لفتح الباب، فوجد أخاه قاسما، رحب به وأدخله صحن الدار، فبادره قاسم بالسؤال: ” من أين لك بالذهب يا أخي؟”، رد علي بابا: “أي ذهب؟ أنت أعلم الناس بحالي”.
 فابتسم قاسم وأضاف: “كفى لا تُخْفِ الأمر عليّ فقد علقت قطعة ذهبية بالمكيال الذي استعارته مرجانة هذا المساء”.
 وعبثا ما حاول علي باب إخفاء السر، فقد كان قاسم لحُوحا وأخذ يتودد إليه ويذكره بالروابط التي تجمعهما وأنه شقيقه ومستودع أسراره إلى أن أخبره علي بابا بالقصة كاملة ولكنه أخذ منه وعدا بعدم الاقتراب من المغارة.
 غير أن قاسم أخلف وعده وأعمى الطمع بصيرته، وفي صباح اليوم التّالي، ذهب إلى الغابة قاصدا المغارة ومعه مجموعة أحمِرة وبغال عليها صناديق وأكياس فارغة ليملأها بشتى أنواع الجواهر والنفائس.
 بحث قاسم عن الكهف إلى أن وجده، فتقدم إليه ونادى بأعلى صوته: “افتح يا سمسم!” ، فإذا بالصّخرة تنزاح وتظهر فتحة الولوج، فدخل مع الدواب إلى القاعة الفسيحة، وكاد عقله يطير لما رآه من جواهر ومعادن ثمينة ولم يشعر بالصخرة وهي تنغلق خلفه.
 سارع قاسم لجمع كل ما تقع عليه عيناه حتى ملأ الصناديق والأكياس تماما، وهمّ بالخروج لكنه نسي كلمة السر لأنه أصيب بالذهول وتشتت فكره لهول ما رأى، فوقف حائرا وأخذ يجرب: “افتح يا سكر ..افتح يا حنطة ..افتح يا شعير.” ولكن عبثا ما حاول إلى أن حل المساء وسمع حوافر الخيل وبعدها صوتا ينادي: ” افتح يا سمسم” فقال تذكرتها: “افتح سمسم” لكنه لم يتذكر كلمة السر إنما اللصوص من ذكروه.
 انزاحت الصخرة فوجد قاسم نفسه وجها لوجه مع رجال العصابة الذين غضبوا لما رأوه مع دوابه المحملة فثاروا وقبضوا عليه ولم يسمحوا له ببنت شفة.
 قضوا عليه ثم فصلوا ذراعيه ورجليه عن جسده، ووضعوه داخل كيس وعلقوه على باب المغارة ليكون عبرة لمن يحاول الاعتداء على مسروقاتهم أو حتى الاقتراب من مخبئهم.
 حل الظلام ولم يعد قاسم للبيت، فقلقت زوجته وأوجست خيفة أن يكون قد أصابه مكروه فتوجهت إلى منزل أخيه علي بابا تطلب مساعدته فسألها عن مكان ذهابه فأخبرته أنه توجه للمغارة وهنا صرخ علي بابا: “ويحه.. لقد هلك”.
 ذهب علي بابا إلى الغابة وأصيب بصدمة كبيرة لحظة رؤية جثة قاسم، ولكنه تشجع وحملها على ظهر حماره وعاد للبيت حزينا على فراق أخيه.
 فزعت زوجة قاسم عندما علمت بمقتله فأخذت تصرخ وتبكي بصوت عالٍ فهرعت إليها مرجانة لتُهدأ من روعها وترجتها أن تخفض صوتها حتى لا يسمعها الناس.
 أكدت مرجانة على علي بابا وزوجة قاسم بضرورة كتم خبر موت قاسم وإلا تتبعهم اللصوص وقتلوهم جميعا لانكشاف سرهم وافتضاح أمرهم.
 ذهبت مرجانة عند الخياط وأخبرته أنها تريد منه خدمة مقابل مئة دينار، فرح الخياط كثيرا فهذا المبلغ يعادل أجرة سنة، واشترطت عليه أن تصحبه للمنزل مغمض العينين على أن ترشده هي في الطريق.
 قام الخياط بإغلاق الدكان وعصبت مرجانة عينيه وقادته للدار، فخاط الجثة ورحل، ثم قام علي بابا بدفن أخيه في جنح الظلام.
 لما رجع اللّصوص إلى مخبئهم لم يجدوا الجثة فاحتاروا وغضبوا ثم أدركوا أن له شريكا أو أكثر يعرفون سرهم، فأرسلوا أحدهم ليستفسر في المدينة.
 أخذ اللص المرسل يمشي في الأسواق ويكلم الباعة إلى أن وصل للخياط وأخذ يسامره إلى أن أخبره ما حدث معه من أمر عجيب، فطلب منه اللص أن يدله على مكان الجثة التي خاطها مقابل أن يعطيه مائتا دينار.
 فرح الخياط بهذا الربح الوفير وغطى عينيه وأخذ يحاول تذكر الطريق واللص يتبعه إلى أن وجدا بيت علي بابا فوضعا علامة على الباب ورحلا.
 عندما خرجت مرجانة من البيت رأت العلامة فقامت بإزالتها، و لما جاء اللصوص لم يجدوا أي علامة فظنوا أن صاحبهم يسخر منهم فقتلوه، وأرسلوا لصا آخر ليجد البيت، وهذه المرة وضع المبعوث علامة لا تزول، لما رأتها مرجانة حاولت إزالتها فلم تنجح فقامت برسم علامات مماثلة على باقي بيوت الحي.
 لما عاد اللّصوص مجددا لم يهتدوا للبيت، فقد وجدوا منازل الحيّ جميعها تحمل تلك العلامة المميّزة، فغضب قائدهم وفصل عنق اللص الثاني وقرر أن يذهب بنفسه.
توجه قائد العصابة إلى الخياط ومنحه بعض المال فدله على البيت.
 تنكر القائد في زي تاجر وأحضر أربعين خابية كبيرة وأدخل كل لص داخل واحدة إلا اثنتين ملأهما زيتا وقال للصوص: “عندما أعطي الإشارة وهي رمي الحصى على الخوابي (الجرات) أخرجوا جميعا من مخابئكم واهجموا على أهل الدار”.
 حمل التاجر المزيف الخوابي على عربةٍ كبيرةٍ تقودها الجياد القوية وانتظر حتى حل المغرب وطرق باب منزل علي بابا، وطلب منه استضافته لأنه تاجر زيت غريب عن المدينة ولا مكان له ليبيت فيه.
 رحّب علي بابا به لأنه كريم لا يردُّ طارقا بالليل، ويقري الضيف ودعاه إلى النّزول عنده، ثم نقلا الخوابي إلى فناء الدار.
 عجّلت مرجانة في تحضير العشاء وبينما كانت تمر بجانب الخوابي سمعت همهمة وأنفاسا فارتابت في الأمر خصوصا لما رأت خابيتان فقط معلمتان بعلامة والباقي من غير علامة، فمشت بهدوء ورفعت غطاء إحداها قليلا ورأت رجلا فأدركت الحيلة.
أحضرت مرجانة صمغا قويا وقامت بوضعه على الأغطية بهدوء تام حتى تمكنت من سد كل الخوابي.
 أعدت مرجانة العشاء لعلي بابا وضيفة ولما انهيا ذهبا إلى النوم لكن قائد اللصوص لم ينم و تسلل خفية إلى الفناء وأخذ يرمي الحصى، لما رأته مرجانة اندفعت نحوه وضربته بالعصا وطرحته أرضا، فأخذ يصرخ وأسرع على بابا فوجد الضيف على الأرض وبيد مرجانة العصا فنهرها قائلا: “ما لك يا مرجانة أوَ يُهان الضيف في بيتنا؟ فردت عليه موضحة”: هذا ليس بضيف يا سيدي، إنه رئيس العصابة فأسرع علي بابا وقيده.”
 واستدعوا رجال الشرطة الذين قادوا المجرمين نحو السجن ودلهم علي بابا على المغارة، فاستردوا الأموال المسروقة وأرجعوها لأصحابها، وما تبقى تم توزيعه على الفقراء والمحتاجين كما نال كل من علي بابا ومرجانة النبيهة جائزة على إيقاعهما بالعصابة الخطيرة.
 أما زوجة قاسم فقد طلبت الصفح من علي بابا وأعادت له نصيبه من تركة أبيه التي استولى عليها قاسم طمعا بعدما أدركت عاقبة الجشع وأكل أموال الناس بالباطل.
 سَعِدَ علي بابا كثيرا بتصرف زوجة أخيه ووعدها بأن يساعدها دائما هي وأولادها لأن الأقربون أولى بالمعروف كما أن العطف على اليتيم والأرملة من أحسن الأعمال، وعاش الجميع في سعادة وهناء.

تعليقات



loading...

جريدة الأستاذ

مسؤول في موقع الأستاذ للمواضيع التربوية و الوثائق التي يحتاجها كل الأساتذة و التلاميذ .