4705898909182592
التعاقد
مستجدات

التفاوتات المجالية و إشكالية تدريس اللغة بالتعليم الإبتدائي

الخط

التفاوتات المجالية و إشكالية تدريس اللغة بالتعليم الإبتدائي

التفاوتات المجالية و إشكالية تدريس اللغة بالتعليم الإبتدائي
لحسن أيت قاسي 
أستاذ و باحث


تعد المدرسة دعامة أساسية من دعامات بناء المجتمع وركيزة من ركائز التنمية البشرية  إذ تتبوأ موقع الصدارة ضمن الأولويات والانشغالات الوطنية بعد الوحدة الترابية المغربية، و لعل أهم ما يوضح مدى اهتمام القائمين على الشأن التربوي بالمنظومة هو توالي أوراش  الإصلاح التي عرفتها المنظومة -بغض النظر عن طبيعتها- منذ فجر الاستقلال إلى يومنا هذا ، و التي همت جوانب مختلفة من المنظومة و كان آخر هذه الإصلاحات ورش الرؤية الإستراتيجية(2015_2030) هذه الأخيرة التي نصت على مجموعة من المبادئ و الأسس و التي من شأنها الرفع من جودة التعليم، كما تم التنصيص على أهم وظائف المدرسة المغربية من قبيل تحقيق الإنصاف و ضمان الجودة للجميع و تكافئ الفرص وكذا الإرتقاء بالفرد و المجتمع، وسعيا وراء تحقيق هذه الأسس على مستوى الهندسة اللغوية نصت الرؤية على ضرورة استفادة المتعلمين بشكل متكافئ من  اكتساب مختلف لغات التدريس في السلكين التعليمين الأولي و الابتدائي؛ و الجدير بالذكر أن التفاوتات المجالية التي يتميز بها المغرب جعلت هذه الأسس تكتسي نسبية بالغة بين المجالين الحضري و القروي، ما يفوت على أبناء العالم القروي فرصة الإستفادة من التعليم الأولي في أحيان كثيرة، وينعكس غيابه على مستوى تدريس اللغة باعتبارها أحد الكفايات الأساسية المستهدفة من التعليم الاساسي.

   إن تدريس اللغة خاصة منها الأجنبية في المجال القروي يجعل من مبدأ تكافئ الفرص أمرا بعيد المنال لغياب أدنى مقوماته الثقافية و المعرفية لدى التلميذ في هذا المجال،و لتوضيح الصورة سنعطي مثالا بتدريس اللغة الفرنسية باعتبارها اللغة الأجنبية الأولي المستهدفة في التعليم الابتدائي، والتي أقدمت الوزارة الوصية على برمجتها مؤخرا ضمن المناهج الدراسية للمستويين الأول و الثاني؛ لتوضيح أهم الإشكالات التي يطرحها تدريسها لهذه الفئة.
    إننا نرى أن برمجة اللغة الفرنسية في المستويين الأول و الثاني ما هو إلا استكمال لحلقات ما أسميناه بمسلسل "الفوضى اللغوية" في المنظومة التربوية و السلك الابتدائي بالخصوص، ولكم أن تتاملوا معي إحدى حلقات هذه الفوضى، ولكم أن تنظروا فيما يكابده تلميذ لغته الأم هي الأمازيغية وأكاد أجزم في عدم إتقانه غيرها بحكم البعد عن المجال الحضري، من أجل اكتساب ثلات لغات دفعة واحدة وهي:
الدارجة المغربية: التي يتم اللجوء إليها أحيانا لإيصال المعنى إذا استعصى ذلك بالعربية الفصحى؛ 
اللغة العربية الفصحى: باعتبارها اللغة الرسمية في التدريس؛
اللغة الفرنسية: اللغة الأجنبية المبرمجة مؤخرا في المستويات المذكورة؛
      كل هذا الزخم اللغوي و اللسني يعترض سبيل الاستيعاب الأمثل، لدى تلميذ بالكاد يفتح عينيه على عالم المدرسة، ويزيد من تركيب وضعه عدم استفادته من تعليم أولي يخول له أدنى فرص الاستمرار السلس شأن أقرانه في المدن.
           بناء عليه نقول أن برمجة اللغة الفرنسية في المستويين الأولين يمكن اعتباره" عنفا رمزيا"- بتعبير بورديو- اتجاه التلميذ وضرب واضح في مبدأ تكافئ الفرص كأحد أهم الأسس التي جاءت بها الرؤية الإستراتيجية، ليس هذا فحسب بل يزيد من تعميق اللاتكافئ عدم ملائمة المقررات الدراسية  مع البيئة و السياق الاجتماعي و الثقافي للتلميذ واعتماد وضعيات وصور بعيدة عن سياقه الاجتماعي و الثقافي ما يزيد من تعقيد مسألة الفهم لديه. ونرى أن أحد الحلول الأولية لضمان النجاعة في تدريس اللغة المذكورة؛ تعميم التعليم الأولي على جميع المؤسسات التعليمية و بنفس الجودة، هذا بالإضافة إلى ملائمة المناهج التعليمية مع السياق الثقافي و الإجتماعي للمتعلم وجعلها مواكبة للتطورات و المستجدات التي أصبحت تطبع الواقع المغربي وما يعرفه من تحولات بنيوية عميقة خاصة مع مطلع الألفية الثالثة، و أي إصلاح لا يأخد بعين الإعتبار لهذه المتغيرات سيكرس لعدم تكافئ الفرص المؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة الإنتاج الاجتماعي بتعميق التمايز الثقافي بين أبناء الوطن الواحد. كل ما ذكر يعد تجل من تجليات التركيب الذي  يطبع تدريس اللغة في المجال القروي، و الذي تلزم منه مقاربة مندمجة لحل إشكالاته بعيدا عن أي تبسيط أو اختزال.

نموذج الاتصال
الاسمبريد إلكترونيرسالة