4705898909182592

دروس الفلسفة الثانية بكالوريا:مجزوءة المعرفة ما الفرق بين التجربة والتجريب

الخط

دروس الفلسفة الثانية بكالوريا:مجزوءة المعرفة ما الفرق بين التجربة والتجريب 

دروس الفلسفة الثانية بكالوريا:مجزوءة المعرفة ما الفرق بين التجربة والتجريب

بواسطة الأستاذ عبد الإله النجوي

النظرية والتجربة - التجربة والتجريب


النظرية والتجربة

تقديم:
    يتحدد المجال الإشكالي لمفهوم النظرية والتجربة داخل الحقل الخاص ببناء النظريات العلمية في العلوم التجريبية. ويطرح هذا الحقل مشكلات إبستيمولوجية وفلسفية أساسية تتمحور حول علاقات ومفاهيم متوترة مثل: العقل والواقع، الذات والموضوع، النظرية والتجربة.
    «إذا كان العقل والتجربة مكونين أساسيين في بناء النظرية العلمية، فما هو الوضع الذي يأخذه العقل في هذا البناء؟ كيف يواجه العقل عالم التجربة؟» داخل هذا الإشكال الكانطي حول علاقة العقل بالتجربة، يمكن طرح الأسئلة التالية: ما الوضع الذي يأخذه التجريب في بناء النظرية؟  هل يشكل التجريب أساس النظرية ومنطلقها؟ ما معيار علمية نظرية ما؟ ما العلاقة بين النظرية والتجربة في المعرفة العلمية؟

المحاور:
I ـ التجربة والتجريب.
II ـ العقلانية العلمية.
III ـ معايير علمية النظريات العلمية.

I ـ التجربة والتجريب.
    يتفق العلماء على ضرورة التمييز بين التجربة العادية والتجربة العلمية أو التجريب، فالتجربة ليست حكرا على العلم، لأنها تقع في أساس كل معرفة إنسانية، ذلك أن واقعة ما أو إحساسا أو فكرة أو حقيقة تكون معطاة من طرف التجربة عندما تكون موضع معاينة خالصة تستبعد كل اصطناع أو تدخل أو بناء من طرف الفكر؛ لكنهم يختلفون حول حقيقة التجريب وعلاقته بكل من الواقع والخيال، فما الفرق بين التجربة والتجريب؟ وهل التجريب انفتاح على الواقع أم على الافتراضي والخيالي؟

    1 ـ التجريب إنصات للطبيعة (كلود برنارClaude Bernard):

    يميز كوبري بين مفهوم التجربة ومفهوم التجريب، فالتجربة هي ملاحظة عامية، أي تجربة خام، وهي لم تلعب أي دور في نشأة العلم، بل على العكس من ذلك لعبت دور العائق. أما التجريب فهو ملاحظة منهجية للطبيعة، وهو يفترض مسبقا لغة خاصة يطرح فيها أسئلته وقاموسا يتيح تأويل أجوبته. يقول كوبري: « التجربة ملاحظة عامية... أما التجريب فهو المساءلة المنهجية للطبيعة ».
يرى كلود برنار أن التجريب انفتاح على الواقع وإنصات للطبيعة، ما دامت التجربة في العلم ليست هي نفسها التجربة الحسية أو الواقعية، وإنما هي مساءلة الظاهرة وفق إجراءات البحث العلمي، فالتجريب عبارة عن خطوات منهجية ونظرية مثلى إذا اشتغل العالم بمقتضاها، فإنه يتوصل إلى معرفة القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية، كما يرى أن المنهج التجريبي يقوم على مبدأين أساسيين هما: جود فكرة يتم إخضاعها للفحص في ضوء وقائع صحيحة ومنظمة، ومعاينة الظاهرة بشكل سليم وشمولي. ويتضح من خلال هذا أن خطوات المنهج التجريبي حسب كلود برنار هي: الملاحظة، الفرضية، ثم التجريب.
Ø     الملاحظة العلمية : هي الخطوة الأولى في عما العالم، وهي المعاينة الجيدة للظاهرة المدروسة، أي مشاهدة الحوادث ومراقبتها باستخدام كل الوسائل والأدوات التي من شأنها جعل ملاحظة الظاهرة أكثر شمولية و ملاءمة لروح البحث العلمي ، فهي ليست ملاحظة عفوية إذن، بل موجهة و قصدية، يلتزم فيها الملاحظ مبدأ الموضوعية  وينشد الدقة.
Ø     الفرضية: وهي إجابة مؤقتة لتفسير الظاهرة من خلال استحضار كل الأسباب الممكنة لوقوعها، إنها مشروع قانون، ولصياغة الفرضية لا بد أن تكون نابعة من صلب الواقع أي مستوحاة من الموضوع المدروس، وأن تكون قابلة للتحقق، وخالية من التناقض. فالعالم ينتظر من الظاهرة المدروسة أن تنسجم مع الفرضيات التي اقترحها حتى تكتسب هذه الأخيرة صلاحيتها وصدقها.
Ø     التجريب : وهي إعادة بناء الظاهرة مختبريا والتحكم فيها ، مما يتيح للعالم التحقق من صدق أو كذب ما اقترحه من فرضيات، ويمكنه من رؤية دقيقة للظاهرة مع إمكانية إعادتها، إنها بتعبير آخر شكل من أشكال استنطاق الظاهرة.
    إذن لبلوغ الحقيقة العلمية حسب كلود برنار، لابد للعالم من أن يجمع بين شروط الملاحظة العلمية والمبادئ المنهجية والنظرية، وإذا ما اشتغل بمقتضاها فإنه يتوصل إلى معرفة القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية، وتتخذ هذه القوانين ثلاث صور:
 * التعبير على تركيب مثل الماء مكون من هيدروجين 2 أوكسجين (O2H).
 * أو التعبير على ثوابت عديدة، مثال: سرعة الضوء هي:  3.10 8 M/S
 * أو علاقات ثابتة بين حادثتين أو أكثر، مثلا: الماء يتبخر في درجة حرارة C°100 وفي ضغط جوي MB76، الكبريت أصفر ويبقى أصفر في درجة حرارة C°120.
    هذه هي خطوات المنهج التجريبي كما حددها كلود برنار. لكن هل جميع الحوادث قابلة للفحص وفق المنهج التجريبي ؟

    2 ـ الخيال و التجريب ( روني توم  René Thom):

    لم تعد التجربة في شكلها التقليدي مواكبة للتطورات الحاصلة على مستوى التصور العلمي للواقع ، بقدر ما أضحت عائقا أمام أي اكتشاف لأنها ظلت رهينة الواقع الساكن الميكانيكي والرؤية التجريبية الضيقة التي تحصر مهمة النظرية في الوصف واستخلاص القانون واعتماد التجربة كمعيار لصدق النظرية أو العكس، وبالتالي يصبح العقل سجين التجربة مهمته تسجيل نتائجها. في حين أن واقع المادة تغير إذ أصبحت واقعا متناهي الصغر، وانتقلنا من عالم الكتلة إلى عالم الطاقة، ثم إلى عالم الميكروفيزياء وعالم الفضاء والذرة، ومن الفيزياء الميكانيكية مع نيوتن إلى فيزياء نسبية مع أينشتين، ثم نظرية الكوانتوم مع ماكس بلانك... مما خلق أزمة على مستوى المنهج وفرض ضرورة تغيير نظرتنا إلى العالم، وفتح آفاقا جديدة في العلم بعيدا عن التصور الكلاسيكي للتجربة العلمية وللعلم نفسه. وأصبحنا أمام عقلانية علمية جديدة منسجمة مع التطورات المعرفية والتكنولوجية التي عرفتها البشرية ، أجبرت العقل على التحرر من النظرة الستاتيكية للمادة، ولم تحصر وظيفة النظرية في الوصف لأن الواقع المدروس غير قابل للوصف لصغره، وجعلت التجريب بناء عقليا ذهنيا إبداعيا ومجرد افتراضات مفتوحة على الممكن؛ وبهذا الشكل حلت النزعة الرمزية الرياضية محل النزعة التجريبية الحسية.
    لقد انتقد روني توم René Thom التصور التجريبي الكلاسيكي الذي يعتقد أن التجريب وحده يتيح التحليل السببي للظواهر. ويرى في المقابل أن العلم  لا يمكنه أن يكون علميا إلا إذا انفتح على الافتراضي والخيالي؛ فالعلم الكلاسيكي يعتمد التكرار كأساس لبناء التجربة بهدف التحقق من صلاحية الفرضية اختباريا ، بينما التجريب المعاصر تجريب ذهني بالدرجة الأولى يبنى في العقل وهذا هو الشكل الإبداعي للتجريب المعاصر  إنه تجريب مفتوح على الممكن . يقول روني توم: « لا يشكل التجريب العلمي في معناه التقليدي مقوما وحيدا في تفسير الظواهر ، بل لا بد من اعتبار عنصر الخيال وإدماجه في عملية التجريب . إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع غنى ».
ذلك أن الخيال له دور كبير في التجريب، ويتضح هذا جليا من الفرضية نفسها،فهي لا وجود لها بدون وجود شكل من أشكال النظرية لتي تتضمن دائما كيانات خيالية يتم التسليم بوجودها، ويتعلق الأمر  بالعلاقات السببية التي تهدف التجربة إلى إثباتها أو تكذيبها، يقول توم: « إن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما. ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي ». إذن لابد من اللجوء إلى الخيال باعتباره عملية ذهنية ضرورية وأساسية في التجربة لكونه يسهل إجراء التجربة والتأكد منها ذهنيا وليس دائما في الواقع. فالتجربة العقلية الخيالية تكمن قيمتها الكبرى في تجاوز صعوبات الملاحظة العلمية المباشرة لرصد بعض الظواهر، فالإلكترونات والنوترونات في الذرة مثلا يصعب متابعة حركتها وكذا التجريب عليها. وتبقى هي وحدها منطلقا لبناء العالم لنظريته، إذ يستبق بها تفاعلات مستويات الظاهرة المدروسة ليعبر عنها رياضيا وفكريا قبل أن تتاح ظروف معاينتها.

II ـ العقلانية العلمية.

إن الحديث عن العقلانية العلمية هو حديث في الأصل عن العلاقة بين ما هو عقلي يعتمد على التماسك الداخلي للعقل والاتساق من الناحية المنطقية الرياضية، وما هو واقعي يعتمد على الملاحظات الدقيقة والتجارب في بناء النظريات العلمية، إنه إذن حوار بين العقل والتجربة، بين الانسجام المنطقي الداخلي للنظرية ومطابقتها للواقع، بين العقل باعتباره أداة بناء النظرية والواقع باعتباره موضوعها، نكشف عنه من خلال الإشكال التالي: ما هي حدود الفاصلة بين ما هو علمي وغير علمي في النظرية؟ وما هو أساس العقلانية العلمية، العقل أم التجربة، أم حوار بين العقل والتجربة؟

    1 ـ العقلانية المبدعة (ألبير أينشتاين Albert Einstein):

ينتمي أينشتاين إلى التقليد الإبستيمولوجي، الذي يحاول أن يكون منفتحا وغير متعصب لنظرية واحدة، بل قابلا لتعدد النظريات بتعدد الفرضيات التي لا تشترط في صحتها إلا الامتثال لشروط المنهج الأكسيومي بدل المنهاج التجريبي، أي لمدى انسجامها المنطقي لا تطابقها مع الواقع من خلال التجربة. يقول  أينشتاين: « إن نسقا كاملا من الفيزياء النظرية يتكون من مفاهيم وقوانين أساسية للربط بين تلك المفاهيم والنتائج التي تشتق منها بواسطة الاستنباط المنطقي، وهذه النتائج هي التي يجب أن تتطابق معها تجاربنا..لا يمكن استنتاج القاعدة الأكسيومية للفيزياء النظرية انطلاقا من التجربة إذ يجب أن تكون إبداعا حرا ».
يقوم النسق النظري للعلم (الفيزياء) على العلاقة المتبادلة بين العقل ومعطيات التجربة، إلا أن ما يمنح لهذا النسق قيمته هو التطابق بين المفاهيم والمبادئ التي ÷ي إبداعات حرة للعقل البشري، لهذا يقر أينشتاين أن غاية العلم لم تعد هي تجميع الظواهر المتجانسة وتفسيرها، وإنما أصبح هدفه هو ترجمة لغة التجربة إلى لغة رياضية، فتتحول الظواهر الواقعية التجريبية إلى أرقام ورموز بأبسط ما يمكن من مبادئ ومفاهيم عقلية. وهو بهذا لا يفك الارتباط تماما بين النظرية والتجربة لأن معيار صحة النظرية العلمية يكمن في إمكان تطابقها مع معطيات الواقع وتأكيد  الاختبارات لها، ورغم هذا فالتجربة لا تكون دوما منبعا للنظرية، لأن النظريات العلمية المعاصرة أصبحت شبكة من العلاقات الرياضية الافتراضية التي ينشؤها الفكر دون الرجوع إلى التجربة. إنها تستمد صلاحيتها ومصداقيتها من انسجامها المنطقي وامتثالها لشروط المنهج الأكسيومي بكل ما يتميز به من رمز وتجريد منطق. ومن ثمة لم يعد المبدأ الخلاق في العلم يوجد في التجربة، بل في الرياضيات المبدعة التي باتت هي الخالقة للنظريات الفيزيائية المعاصرة والتي تمنحها نجاعتها وقوتها المنطقية، وكذا استباقها للمعاينة المادية والملاحظة كما وقع مع بنية الذرة في الفيزياء الذرية أو الماكروسكوبية في علم الفلك مثلا.

    2 ـ حوار العقل والتجربة (غاستون باشلارGaston Bachelard ):

ينتقد باشلار كل من النزعتين التجريبية والعقلانية، ويرفض اعتبار الواقع المصدر الوحيد لبناء النظرية العلمية، كما يرفض اعتبار العقل مكتفيا بذاته في بناء هذه النظرية. لم يعد هناك مجال للعقلانية المطلقة ولا للواقعية المطلقة، بل حل محلها نموذج جديد من العقلانية المطبقة، يقول باشلار: « هذه العقلانية الفعالة، تتعارض مع الفلسفة التجريبية التي تنظر إلى الفكرة كما لو كانت تلخيصا للتجربة، وذلك بالفصل بين التجربة وكل قابليات التهيؤ»، عقلانية متحررة من المسلمات وأكثر انفتاحا على الممكن، ترفض الصرامة المنطقية للعقلانية الديكارتية التي تعتبر العقل وحده مصدر المعرفة، وترفض أن تكون المعرفة مجرد انعكاس للواقع الحسي كما تصور ذلك التجريبيون، بل تقتضي استخدام العقل على المادة. إنها عقلانية تقيم حوارا بين العقل والتجربة، يقول باشلار: « إن العقلانية العلمية المعاصرة هي عقلانية فلسفية مطبقة، تقوم على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي، ويجعله مشروطا بحوار جدلي بين ما هو عقلي وما هو واقعي ». عقلانية أصبحت أكثر انفتاحا، تأخذ المعلومات وتحولها إلى برامج ومعادلات رياضية، وتقبل أن يعاد النظر في المبادئ والأسس بحثا عن العوائق والأخطاء.. عقلانية معاصرة تمثل رؤية جديدة تحاول استيعاب مظاهر جديدة، انفتحت على التحولات التي وقعت في الرياضيات والهندسة الفراغية، وأصبح المنهج الأكسيومي هو الموجه للبحث العلمي.

III ـ معايير علمية النظريات العلمية.

لقد اعتقد العقلانيون القدماء بأن العقل هو معيار الحقيقة العلمية ولهذا كان ديكارت يشترط البداهة والوضوح العقلي، وأسس كانط موضوعية تجمع بين العقلي والحسي. أما التجريبيون فرؤوا أن التجربة هي مصدر الحقيقة والسبيل إلى التحقق من صلاحية النظرية، وقد ساد هذا التصور إلى حدود الفيزياء الحديثة مع نيوتن.. لكن الواقع لم يعد كما كان يدركه القدماء والكلاسيكيون واقعا مجسما أو جوهرا مطلقا، بل أصبح أكثر تعقيدا وأكثر صغرا، مما جعل تصوراتهم غير قادرة على استيعاب هذا الواقع،  وبالتالي لم يعد للقانون نفس الدقة  و الإطلاقية،  لقد أصبح القانون يحمل طابعا احتماليا. فالنظريات العلمية المعاصرة أصبحت مجرد إنشاءات عقلية حرة قابلة لأن تجدد إلى ما لا نهاية. أي أن تاريخ العلم أصبح تاريخ تصحيح الأخطاء ( باشلار)، وأن علمية النظرية تتحدد في قابليتها للتكذيب ( بوبر).
من هنا السؤال: كيف نحدد علمية النظرية ؟ هل هو انسجامها المنطقي الداخلي؟ أم قابليتها للاختبار التجريبي؟ وما قيمة تعدد الاختبارات وقابلية النظرية للتكذيب في تأكيد علميتها؟

    1 ـ معيار تعدد الاختبارات (بيير تويلييPierre Thuillier ):

يرفض بيير تويليي النزعة التجريبية باعتبارها نزعة اختزالية وتبسيطية، مبرزا أن التجربة لن تكون أبدا منبعا للنظرية ولا يمكن أن تمنحها تماسكها وانسجامها المنطقي، بل «إن التحقق التجريبي لا يعطي دلائل قطعية وإنما فقط تأكيدات غير مباشرة تكون جزئية  ومعرضة للمراجعة». ويرى أن صدق النظرية العلمية هو تعدد الاختبارات التي تخضع لها، إذ لابد من إخضاع فروض النظرية لاختبارات متنوعة تربطها بفروض نظرية أخرى، لهذا فما يؤكد علمية النظرية هو تعدد الاختبارات الذي يخرج النظرية من عزلتها التجريبية من خلال الارتباط بنظريات أخرى ويمنحها قوتها وتماسكها. فاختبارات التماسك المنطقي للنظرية الواحدة أو ما بين نظريات عديدة هي بمثابة محرك أساسي لتطور العلم، وبعبارة أخرى الترابطات النظرية بين الافتراضات تسمح أحيانا كثيرة بفهم وتفسير العديد من الظواهر دون الحاجة إلى معاينتها وملاحظتها.

    2 ـ معيار القابلية للتكذيب (كارل بوبرKarl Popper ):

يبدأ كارل بوبر بتحديد مراحل التحقق العلمي من النظرية في:
·        المقارنة المنطقية للتحقق من تماسك النسق النظري.
·        البحث في الصورة المنطقية لتحديد طبيعة النظرية هل هي علمية أم تحصيلية.
·        المقارنة بين النظرية رهن البحث وأخرى لمعرفة ما إذا كانت ستشكل تقدما معرفيا.
·        اختبار صحة النظرية بالقيام بتطبيقات تجريبية.
·        التنبؤ أو التوقعات تأتي كنتيجة للممارسة.
ليخلص إلى أن معايير علمية النظرية تتحدد في: - الاتساق المنطقي  -  التحقق التجريبي  -  قابلية التكذيب.
إنه يرفض اعتبار التجربة محكا لقياس صلاحية النظرية العلمية، ويؤكد على أن « النظريات ليست قابلة للتحقيق الأمبيرقي مطلقا »، فالنظريات العلمية الصحيحة ليس تلك التي تمت مصادقة التجربة عليها، لأن معيار صلاحية النظرية العلمية ليس في مطابقتها للتجربة (الواقع) بل في قابليتها للتكذيب أو التفنيد. وهذا راجع حسب كارل بوبر إلى كون النظرية العلمية ليست حقيقة نهائية ومطلقة حتى ولو كانت تدعي العلمية، بل عليها أن تخضع لمبدإ قابليتها للتكذيب الذي لا يقبل أن تكون نظرية ما علمية ما لم تقبل إمكانية أن تكون كاذبة. يقول كارل بوبر« إن النظرية العلمية التجريبية الأصلية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها وتبرز نقط ضعفها، وتخضع بصفة قبلية، فروضها لمعيار القابلية للتفنيد أو التكذيب ». فبالنسبة له تاريخ العلم هو تاريخ صراع بين نظريات يحكمه معيار قابليتها للتفنيد أو التكذيب.

خلاصة:

إن الحديث عن النظرية والتجربة يعكس حقيقة الصراع والتوتر بين النزعة الواقعية والنزعة العقلية، ويرسم بوضوح معالم الانقلاب على كل التصورات الكلاسيكية التي كرست هذا التوتر وسيرورة مراجعتها. فقد تطور التفكير في المنهج العلمي ولم يعد للتجربة وحدها دور فيه ولا في التحقق من صحة النظريات وضمان الدقة والموضوعية في التعامل مع الظواهر الملاحظة، بل صار للعقل هو الآخر حضوره البارز إلى حد أن العالم يستبق به تفاعلات الظاهرة المدروسة والمعاينة المادية لها، وفق واقع رمزي رياضي و استنباطي، أكثر منه واقع حسي وتجريبي. بل لم يعد هنالك فاصل بين ما هو عقلي وما هو واقعي، فالعلاقة بين البناء النظري والتجريبي هي علاقة تكامل وتفاعل، لأن العالم الذي يجرب لا يمكنه أن يستغني عن الاستدلال، والعالم الذي يستدل لا يمكنه أن يستغني عن التجربة.
إن علاقة النظرية بالتجريب أو علاقة العقل بالواقع أصبحت علاقة جدلية، ومفهوم العقل مثل مفهوم الواقع ( التجربة ) لم يعد يطرح بمعناه الكلاسيكي، بل اتخذ هذان المفهومان دلالات و أبعاد مغايرة في إطار العقلانية العلمية ( أو العقلانية المطبقة )، بحيث لم يعد موضوع المعرفة معطى مباشرا في الواقع الحسي بل أصبح موضوعا يبنى داخل المختبر، ولم تعد علمية نظرية ما تكمن في مدى تطابقها مع الواقع بل في تماسكها الداخلي وانسجامها المنطقي من جهة وقابليتها للتكذيب أو التفنيد من جهة أخرى.

  *  شاهد الفيديو التوضيحي حول الدرس

نموذج الاتصال
الاسمبريد إلكترونيرسالة