الرؤية الفعالة للمنظمة دعامة أساسية للتغيير الإيجابي

الرؤية الفعالة للمنظمة دعامة أساسية للتغيير الإيجابي

* ذ  خاليد جوهري

هناك ثلاث مجموعات تتكون كل منها من عشرة أفراد جالسين في منتزه، فجأة سمع أحدهم خبرا ينذر بهبوب عاصفة قوية، فهب قائلا: " انهضوا و اتبعوني". و عندما بدأ في المشي لم يتبعه إلا القليل. و في المجموعة الثانية قال أحدهم:" نحن مضطرون للانتقال من هنا، إليكم الخطة: سينهض كل واحد منا و يسير باتجاه شجرة التفاح، و يجب أن يبقى كل فرد منكم على بعد خطوتين من الآخر، و لا تركضوا، و لا تتركوا أمتعتكم هنا، و احرصوا على الوقوف تحت الشجرة...". أما المجموعة الثالثة فقال صاحبهم:" سوف يهطل المطر بعد لحظات، فهيا نذهب إلى هناك و نجلس تحت شجرة التفاح الضخمة تلك، نحتمي بها، و يمكننا تناول التفاح الطازج".

        هناك قادة يسعون إلى تغيير منظماتهم باستخدام أحد السيناريوهين الأولين، إما بإصدار قرارات و الأمر بتنفيذها أو التحكم في كل التفاصيل.
هاتين الطريقتين تستعملان غالبا في الحفاظ على الأنظمة القائمة لا في تغييرها إلى أنظمة أفضل، و قد تجد مقاومة شرسة وعدم انخراط  باقي الأفراد في التغيير. بينما السيناريو الثالث فمن المحتمل أن يتغلب على المقاومة و يقهر كل القوات التي تقاوم التغيير و تتشبث بالوضع الحالي، لأنها مبنية على الرؤية la vision التي هي مكون أساسي من مكونات القيادة العظيمة.
        و الرؤية هي صورة ذهنية منطقية و جذابة لوضع المنظمة في المستقبل، سواء كانت حكومية أو خاصة، ذات هدف ربحي أو تطوعي، و إذا كانت رؤية جيدة فإنها تروم تحقيق ثلاث غايات مهمة: توضح أولا الاتجاه العام نحو التغيير بترويج عبارات مؤسساتية حماسية، و بذلك تختفي حالة العجز عن اتخاذ القرارات و تنهي الجدال حولها، فتربح المنظمة ساعات أو ربما شهور من اللغو و الجدال.  ثانيا تحفز أفراد المنظمة على اتخاذ قرارات و إجراءات في الاتجاه الصحيح، فالتغيير غالبا ما يخرج أفراد المنظمة من المربع المريح و يتضمن بعض الألم من قبيل تعلم مهارات و سلوكات جديدة أو العمل بموارد أقل، فالرؤية الجيدة تدفع في اتجاه التحلي بالأمل و تقديم التضحيات من أجل تحقيق منافع أحسن من الحالية. ثالثا فالرؤية تساعد على تنسيق جهود و إجراءات المتدخلين بطريقة سريعة و فعالة، فبدون وجود إحساس مشترك باتجاه التغيير قد تكون التكلفة كبيرة على عكس إذا كانت الرؤية مشتركة و متفق عليها.
        و من سمات الرؤية الفعالة أورد جون بي كوتر في كتابه "قيادة التغيير"  ست صفات أساسية:
·       قابلة للتخيل: تنقل صورة عما سيبدو عليه المستقبل؛
·       مرغوب فيها: تتفق مع المصالح طويلة المدى الخاصة بجميع المتدخلين و الشركاء؛
·       عملية: تشتمل على أهداف واقعية قابلة للتحقيق؛
·       مركزة: واضحة بما يكفي لتقديم التوجيه في عملية اتخاذ القرار؛
·       مرنة: عامة بما يكفي للسماح بالمبادرات الفردية في ضوء الظروف المتغيرة؛
·       قابلة للتوصيل: يمكنك شرحها بنجاح في غضون خمس دقائق.

قد نجد بعض المنظمات تضع رؤى تعد بتوفير كل شيء و لكنها لا تقدم فكرة عن جدوى التغيير. مثلا " سوف نتحول من كوننا الأدنى إنتاجية إلى الأعلى إنتاجية". جيد و لكن كيف؟ "سوف نكون الأفضل في مجال نشاطنا". هذا رائع و لكن كيف؟  من هنا يظهر أن الرؤية المجدية لا تكون مجرد أوهام أو تخيلات يصعب أجرأتها أو تتطلب موارد و قدرات ليس بمقدور المنظمة توفيرها، الشيء الذي يجعل أهداف التغيير تبدو مستحيلة، و من تم تفشل في التحفيز على اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب. هنا يأتي دور الاستراتيجيات التي تبين كيف يمكن تحقيق الرؤية خاصة في ظل التغير السريع و المتسارع لبيئة العمل و التنافسية الشديدة.
و كمثال للرؤية الفعالة نورد فيما يلي واحدة لإحدى المنظمات العاملة في مجال التأمين و التي تؤمن أن رؤيتها مفيدة في تحقيق التغيير المأمول: "هدفنا ان نصبح قادة العالم في مجال صناعتنا في غضون عشر سنوات. و عند استخدامنا لمصطلح القيادة، فنحن نعني به المزيد من العائدات و الأرباح و التحفيز الذي يلبي حاجيات عملائنا و جعل الشركة مكانا جذابا للعمل بقدر أكبر من منافسينا. و سوف يتطلب بالتأكيد أن نكون أقل نشاطا محليا، و أكثر تركيزا عالميا، و أقل روتينية، و شركة خدومة بقدر أكبر. و نحن نؤمن بصدق بأننا إذا تعاونا فسيمكننا إحداث هذا التغيير و سنبني خلال هذه العملية شركة تنال إعجاب جميع الفاعلين".
نلاحظ أن العبارات الواردة تحتوي على الكثير من المعلومات، إلا أنها مركزة و خالية من تعدد الاحتمالات (مثل أن نصبح شركة كبرى بالاندماج مع شركات أخرى...)، تشير إلى المجالات التي تحتاج إلى التغيير بوضوح ( التحول من فكرة تقديم السلع إلى ثقافة الخدمة)، كما أنها ذكرت هدفا واضحا (الأولى في غضون عشر سنوات)، بالإضافة إلى إدراج عبارة واضحة عن الجاذبية ("تنال إعجاب الفاعلين)، و هي سهلة التوصيل ( أقل من مائة كلمة).
قد تكون الرؤية غير الفعالة أشد خطرا من عدم وجود رؤية. و التحدث عن الرؤية دون الالتزام بها قد يصنع نوعا من الأوهام الخطيرة، فيعتقد أفراد المنظمة أنهم يقفون على أرض صلبة فإذا بهم يجدون أنفسهم على جرف هار.
اخترنا لك