منهجية تحليل قولة  حول مفهوم الغير

منهجيات الفلسفة لتلاميذ الثانية بكالوريا منهجية تحليل قولة  حول مفهوم الغير

ستكون معرفتنا بالغير على درجة كبيرة من الخطأ,إذا اقتصرنا فيها على ما لدينا من معرفة حول أنفسنا"


إن من أعقد المشكلات التي عالجتها الفلسفة هي إشكالية مفهوم الغير.بحيث اتخذ في التمثل الشائع معنى تنحصر دلالته في الآخر المتميز عن الأنا الفردية أو الجماعية(نحن),ولعل أسباب هذا التميز إما مادية جسمية وإما حضارية,أو فروقا اجتماعية أو طبقية.ومن هذا المنطلق,ندرك أن مفهوم الغير في الإصطلاح الشائع يتحدد بالسلب,لأنه يشير إلى ذلك الغير الذي يختلف عن الأنا ويتميز عنها.بكل بساطة وكما جاء في معجم روبير بأن الغير هم الآخرون من الناس بوجه عام.بهذا تطرح معرفة الغير إشكالات فلسفية اختلفت إجابات الفلاسفة فيها بين الإمكان والإستحالة.من هنا,فهل يمكن معرفة الغير?وإذا افترضنا أن معرفة الغير ممكنة,فكيف يتسنى لنا ذلك؟ما الذي يجعل هذا السؤال مشروعا من الناحية الفلسفية؟أو بعبارة أخرى,ما الذي يجعل كل محاولة لمعرفة الغير تصطدم بمشكلات كثيرة؟ لماذا يكون من الصعب معرفة الغير؟

إن القول بإمكانية معرفة الغير أو باستحالة معرفته يتوقف بالدرجة الأولى على تصورنا لكيفية وجوده في العالم,هل هو ذات مفكرة,أنا آخر يتمتع بالوعي والإرادة؟أم أنه موضوع من الموضوعات؟إن القولة الماثلة أمامنا تتقدم بفكرة مفادها أن معرفة الغير ممكنة,وذلكمن خلال استحضار كل الجوانب والإمكانات المخولة لمعرفته.غير أننا نكون مخطئين إذا قلنا بأننا حققنا معرفة الغير من خلال معرفتنا لذاتنا.فإن ذلك لا يتيح لنا معرفته بقدر الإمكان.فعندما أكون أنا مثلا مسرورا أو فرحا فهذا لا يعني أن كل الناس سعداء مثلي,أو إذا كنت أتصف بالكرم فهذا لا يعني أن كل الناس كرماء مثلي,فمنهم الحزين والمسرور والبخيل والكريم.إنني إذا أطلقت حكما مسبقا على الغير بحكم معرفتي لطاتي فبهذا الحكم أكون قد تسرعت.فما معنى معرفة الغير أصلا؟ إن فعل المعرفة هو إدراك الغير واختراق عالمه واستيعاب أفكاره وأفعاله على أنه ذات تشبهني وتختلف عني.في الواقع إن حديث صاحب القولة أن نقتصر فقط بما لدينا من معرفة حول أنفسنا لمعرفة الغير هو حديث يمكن قبوله.لأنني أعرف الغير فيزيولوجيا فقط وليس نفسيا كذات تشبهني وفي المقابل مستقلة عني.فهل هناك من الفلاسفة من يرى سبلا أخرى لمعرفة الغير؟من هذا المنطلق يحق لنا عرض أطروحة إدموند هوسرل الذي يرى ويؤكد على أن ما يتيح إمكانية معرفة الغير هو اعتباره ذاتا تشبهني نفسيا وفيزيولوجيا,وتختلف عني.فهذه المعرفة لا تتم إلا من خلال الإدراك الباطني أو بمعنى آخر التوحد بالغير حدسيا.فأصبح أنا هو وهو أنا.أي أن أضع نفسي مكانه وأعيش تجربته وهو ما يسميه هوسرل بتجربة البينذاتية.وبذالك يكون هوسرل متفقا مع صاحب القولة على إمكانية معرفة الغير.كما نجد ميرلوبونتي هو الآخر يقول بأن معرفة الغير ممكنة ولا تكون مستحيلة إلا إذا انسحب كل واحد منا وظل داخل طبيعته المفكرة.كما يعترض على مثال النظرة والذي يقر بأنها لا يمكنها أن تحول أي أحد منا إلى موضوع إلا إذا جعلنا نظرة بعضنا البعض لا إنسانية.وبدلا من هذا ينبغي لمعرفة الغير مد جسور التواصل الإنساني والتعاطف الوجداني.ودخول الأنا والغير في علاقة الإعتراف المتبادل لكل منهما.هكذا نجد أن المواقف السابقة تؤكد على أن معرفة الغير ممكنة من خلال التواصل والتعاطف والإعتراف المتبادل والإدراك الباطني.فهل كل الفلاسفة يرون بأن من الممكن معرفة الغير؟أم أن هناك من يقر بأن من الصعب معرفته؟أي معرفته مستحيلة؟
يرى سارتر أن معرفة الغير تقتضي تحويله إلى موضوع وبالتالي تشييئه,فالغير لا يتجلى إلا على نحو امبيريقي أي كموضوع وصورة(الشكل) ففعل المعرفة يتضمن سلب هذا الغير معاني الذات والوعي والحرية والإرادة.وعلى ذلك فإن العلاقة المعرفية بين الأنا والغير تحمل تناقضا واستحالة.ولعل أبرز مثال على ذلك نجده فيما تجسده نظرة الآخر من تشييء لدرجة جعلت سارتر يقول في مسرحيته بأن الجحيم هم الآخرون.نجد أيضا أن بيرجي يؤكد على استحالة معرفة الغير بحكم أن بين الأنا والغير جدار سميك لا يمكن تجاوزه رغم كل أشكال علاقة التعاطف والمشاركة بينهما.ومنه تصبح معرفة الغير غير ممكنة.كما يمكن أن نورد هنا موقف مالبرانش الذي يؤكد على أن معرفة الغير من طرف الأنا هي فقط مجرد معرفة تخمينية تقريبية وليست معرفة يقينية.لأن الأنا لا تستطيع أن تنفذ إلى أعماق الغير لإدراك حقيقة مشاعره وعواطفه وأحاسيسه وانفعالاته,فهو يقوم بعملية إسقاط أي يسقط عليه ما يحس به ويشعر به انطلاقا من مبدأ المماثلة.وبذلك يخلص مالبرانش إلى أن معرفة الأنا للغير تظل معرفة تقليدية احتمالية وليست يقينية.
إن الحديث عن معرفة الغير سواء كانت ممكنة كما يقول هوسرل وميرلوبونتي,أو مستحيلة كما يؤكد سارتر وبيرجي ومالبرانش يدفعنا إلى التساؤل التالي:هل تنحصر العلاقة مع الغير في المستوى المعرفي فقط؟أم أنه بالإمكان مع ذلك الحديث عن أنواع أخرى من العلاقة معه:علاقة عداوة,صداقة,محبة,أم علاقة غرابة...؟

المزيد من ملخصات و دروس الفلسفة الثانية بكالوريا
اخترنا لك