التعليم الأولي، تشويه مبكر لأدمغة صبيتنا 

أ. د. عبد الله لخلوفي، جامعة محمد الخامس

أ. د. عبد الله لخلوفي، جامعة محمد الخامس

سلبيات التعليم ما قبل سن السابعة على الأطفال لا يمكن حصرها ولا الحد من تأثيراتها في حياتهم وعلى مستقبلهم. التعليم الأولي يصيب الأطفال بالإعاقة الذهنية المبكرة، أصل كل الإعاقات اللاحقة...، ويتركهم كالريشة في مهب الرياح....، لا قرار لها ولا استقرار، ولا وجهة محددة...

الجميع يصفق ويُنظّر... يتبارون في مدح ما جعلوا منه فتحا مبينا على صبيتنا، وكيف أنهم سيصبحون رجالا ونساء وهم بعد في سن الطفولة... فكما يقال، "عند الفورة يبان الحساب"... وعندها سيكون قد "فات الفوت"،... قد فات الأوان... وعندها، سيتبارى في تبرير الانتكاسة، من يتبارون اليوم في التهليل لهذا الطور التعليمي الخارج عن كل السياقات، منطقيا وتربويا وتعليميا وبيداغوجيا...
كثيرة هي الدراسات والأبحاث الحالية، العلمية والتربوية والبيداغوجية، التي تفوح منها روائح المنهج الأيديولوجي، اللاعلمي....لن أطيل، لأعرج على دراسة أمريكية حديثة، تفيد أن الأطفال الذين لا يستفيدون من التعليم الأولي تصبح عندهم القابلية ليتحولوا إلى مجرمين عند بلوغ الثلاثينات من العمر. فهل الأمر فعلا  كذلك؟ من دون التوقف عند هذا التساؤل بخصوص الاستنتاج الغريب، لأقول:
بداية، أن من بين أنجح وأنجع النظم التربوية والتعليمية على الصعيد العالمي، النظام التربوي لفنلندا...ومن خصائص وخصوصيات التربية في فنلندا، أن الدراسة والتعلم لا يبدأ إلا في السنة السابعة من عمر الأطفال (بعد قضاء سنة في اللعب الجماعي الهادف والترفيه و...)، حيث تكون أدمغتهم قد استكملت مراحل النمو الأساسية...، ويكونوا قد أخذوا حظهم من اللعب، مرحلة التعلم الفطري بالتجربة، فيقبلوا على التعلم بكل بإرادة ونشاط.
ثانيا، فكما أوضحت من قبل (المقال الأخير)، فإن مرحلة التعليم الأولي (إن كان لا بد منها)، هي مرحلة النقش على الحجر ، بحيث لن يستقيم أمرها، وأمر أطوار التعليم اللاحقة، تبعا لذلك، بل أمر الحياة كلها (حياة الفرد في مجتمعه)، إلا من خلال تعهد هذه المرحلة الحساسة، الدقيقة والحاسمة، من عمر الإنسان، بالنقش السليم والموفق في أدمغة الصبية. ولن يستقيم هذا الأمر أبدا، ما لم يكن هناك نقاشون (تربويون) ذووا دراية شاملة، سليمة، بفنون النقش، بقواعده وأدواته وأهدافه... وعليه، ففي الظروف الحالية، لا مفر من التشويه العميق لأدمغة الأطفال، المولد للإعاقة المزمنة... وهذا هو السبب الأساسي الذي يجعلهم غير قابلين (ليست لهم القابلية) لمتابعة مساراتهم التعليمية اللاحقة، في ظروف طبيعية، من دون إخفاقات على كل المستويات. فهم لم يتعلموا، بداية، الانضباط في كل شيء وتعلم الإنصات والاستماع، شرطين ضروريين لمواصلة التعلم واكتساب المعارف والمهارات. كما أن المراكز اللغوية في أدمغتهم لم يتم نقشها و تحفيزها، وإن تم ذلك فبالكيفية الخطأ...، فهي لم تنقش وتحفز كما يجب، لتلعب دور الـــ"برمجية" الأساسية التي تمكن الطفل من مواصلة تعلمه بالطريقة الصحيحة... فالعاهات اللغوية الغائرة (النقش المشوه) هي التي ترهق أبناءنا وتثبط همم تعلمهم طيلة مساراتهم التعليمية، وكذا في حياتهم العملية... وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية في تخريج الجامعة لمجازين يتطلبون دروسا لمحو الأمية....
ثالثا، يتعلق الأمر بما هو أخطر...، فالأطفال الذين يلجون الروض في سن مبكرة (أو من سيلجون أقسام التعليم الأولي بكثافة، كما تعمل وزارة التعليم على ذلك)، يتعرضون لانتكاسة نفسانية عاطفية غائرة (نقش على الحجر)، تتجلى (تتمثل) في شكل اضطراب في العلاقة مع الآباء، بحيث يتشرذم الولاء العاطفي وتضعف الروابط الأبوية بسبب تعدد الأدعياء المؤثرين في حياتهم اليومية. يجدون أنفسهم منقسمين بين البيت حيث الأبوين، والروض والقسم، حيث ""المربين والمعلمين، إناث في أغلبيتهم""، وكل المتدخلين الآخرين، وهو ما يؤدي بالطفل إلى صعوبة التفريق بين أبويه وبين هؤلاء. هذه الانتكاسة التربوية المبكرة، الخطيرة، تدفع بالأطفال للانغلاق على أنفسهم، وهو ما يؤشر على وجود أزمة ثقة عميقة فيمن حولهم، وفيما يحيط بهم. أزمة الهوية الأبوية هاته، لها قطعا تبعات غير محمودة العواقب على حياة الأطفال، بحيث يصبحون كالريشة في مهب الرياح، لا قرار ولا استقرار لها...، يفتقدون للروابط العاطفية الأبوية العميقة والمتينة التي تكبح انبعاث الأفكار السلبية وتحفز التفكير الإيجابي، وهو ما يصوب وجهتهم ويسدد تصرفاتهم... اضطرابات نفسية مبكرة، منقوشة في أدمغتهم، تجعلهم غير قادرين على التفاعل الإيجابي مع محيطهم، في الأسرة والمدرسة والمجتمع، وهو ما يتجلى في عدم قدرتهم على التركيز والانصات ولملمة أفكارهم... كل هاته الاضطرابات الغائرة تجعلهم قابلين للانجراف والانجراف مع شتى التيارات اليومية القوية، خاصة تلك التي أصبحت تحدثها وسائل التواصل الاجتماعي الرهيبة، التي يترعرعون في كنفها منذ نعومة أظافرهم، بالموازاة مع "تيار الروض الجارف، بعيدا عن هواجس الآباء (إن كانت لهم فعلا هواجس...؟؟؟؟)... وهو ما يجعلهم، كشباب، عرضة للانحرافات بكل ألوان الطيف...
فالدراسة الأمريكية، التي ترى في المرور بالتعليم الأولي، فرصة سانحة لتربية الأطفال تربية سليمة...، تربية الانضباط في حياتهم والامتثال للضوابط الاجتماعية واحترام القوانين، ينقصها الكثير من التجرد العلمي...، هذا إن لم تكن ملغومة، موجهة، من صنف الأبحاث التي يتم إجراؤها لإثبات مصداقية ما يراد تبنيه من أيديولوجيات... وهذا هو روح المنهج الأيديولوجي، حيث يتم الانطلاق من الاستنتاجات التي يراد تسويقها للقيام بالأبحاث التي تبررها، وهو نهج معاكس للنهج العلمي. وكم هي الأبحاث الاجتماعية وفي علم النفس، وكذا في الجيولوجيا والبيولوجيا التي تخضع لهذا المنطق البئيس...

اخترنا لك