المُدَرِّسُ بين الهاجس الأمني والواجب التربوي


المُدَرِّسُ بين الهاجس الأمني والواجب التربوي

 ـ نورالدين الطويليع 

حَضَّرَ الأستاذ أحمد دَرْسَ الغد، وخطط لوضعياته، ورسم سيناريوهات إنجازه، واضعا بعين الاعتبار المتعثرين والمتخلفين من المتعلمين الذين يحرص أشد الحرص على إشراكهم في أجواء الدرس، رغم ما في ذلك من جر لمشاكل شتى.

        أثناء إنجاز الدرس، نادى على أحدهم ليعيد إجابة زميله، فلم يزد على ترديد كلمات مبعثرة وغير مفهومة، وفي الوقت نفسه جاءت المؤازرة من زميل آخر محسوب على طائفة المتخلفين، في شكل صوت غريب حاكاه آخرون، فماجت القاعة وهاجت بالنباح والنهيق والمواء ممن ظنوا أن "دورية" الأستاذ ستأتي عليهم، وتعتقلهم في زنزانة الإحراج أمام زملائهم، فاستبقوا فعله برد فعلهم، في الوقت الذي انزوى فيه الأستاذ أحمد في ركن قصي من القاعة، يندب حظه العثر، ويتأسف على ساعات قضاها في التحضير، وعلى واقع أطفال لا يحسبون العواقب، ولا يدركون خطورة أفعالهم وأثرها على مستقبلهم الدراسي.
        في خضم هذه الأجواء رن الجرس، فاندفع الجميع إلى الخارج في جلبة وضوضاء، وحينها قرر الأستاذ أحمد ألا يعود إلى "إحراج" طابور المتخلفين والمتعثرين، وألا يثير حفيظتهم بسؤال أو بمراقبة، وأن يقتصر على العمل مع أفراد الفئة القليلة جدا التي لا تتجاوز الربع، ويترك من سواهم في سباتهم وكسلهم.
       تلخص هذه القصة  واقع المُدَرِّسين الذين صار الهاجس الأمني والرغبة في مغادرة قاعة الدرس، بعد آخر حصة، بسلام، وبدون مشاكل مشروعهم الأول الذي يستحق أن تتوارى خلفه كل المشاريع، ففي ظل إكراهات عمل ضخمة تئن بحملها

الأطر الإدارية والتربوية على السواء، وفي ظل فراغ قانوني قاتل، وأمام انسحاب الوزارة وتركها المدرسين وجها لوجه في مواجهة مشاكلهم التربوية وغير التربوية... في ظل هذا وغيره، لا تجد الأغلبية الساحقة من المدرسين خيارا آخر غير خيار "السلم الاجتماعي" الذي يتأسس على تخليهم عن مهامهم الضبطية وترك الحابل على الغارب، فلا دفاتر تراقب، ولا قواعد تُستظهَر، ولا انتباه يُطلَبُ، ولا مواظبة يُستفسَرُ عن خدشها بكثرة التغيب، وقد يصل الأمر إلى إغماض العين عن تسجيل الغياب وفق اتفاق مسبق بين الطرفين يتخلص فيه المتعلم من أجواء القسم الخانقة بالنسبة إليه، والمدرس من غير المرغوب فيهم من مثيري الشغب.
     لقد استحالت وظيفة مُدَرِّس إلى عبء ثقيل يشعر صاحبه بالألم والحسرة لأنه لم يعد يجد الأرضية المناسبة لممارسة مهنة أحبها، وعاقه عنها سوء فهم عدة أطراف من بينها تلميذ لم يعد يرى فيه إلا متسلطا يحاول أن يثقل كاهله بالواجبات، ويقيد حريته بالانضباط  للعملية التعليمية التعلمية، ويكسر أنفته بطلب مشاركة في بناء درس لا يجد أدنى رغبة في تلقيه، ويؤازره في سوء فهمه هذا والد صار يتوهم أنه مرسل ولده إلى ساحة حرب، وليس إلى مدرسة، ولذلك يحرص على تتبع "خسائر" ابنه النفسية والجسدية، فيسأل صباح مساء عما جَدَّ في الأمر، ويتوعد المدرس في حضرة الابن بالويل والثبور إن سولت له نفسه، وسمحت له يده بالامتداد إليه، دون أن يدري أن الواجب يقتضي أن يحافظ على صورة المدرس، وأن يحرص على عدم خدشها في مخيلة الابن، ليس لسواد عين هذا المدرس، ولكن في سبيل المعرفة التي يتلقاها الابن منه، فاستصغار المدرس والنظر إليه بازدراء يقود حتما إلى الزهد في ما يقدمه من معارف، وهنا يجني الوالد على ابنه جناية مركبة قد لا يدرك أبعادها وعواقبها الوخيمة على ابنه إلا بعد فوات الأوان.
    ولا ننسى أن هذه العلاقة الاقتناصية بين المتعلم ووليه من جهة، وبين المدرسين من جهة أخرى تشعل فتيلها قنوات ومنابر إعلامية تتصيد أخبار نساء التعليم ورجاله، وتحرص على رسم صورة بشعة عنهم، ومن تكرار لازمة واحدة ووحيدة رَسَّخَتْ في أذهان الكثير أن المدرس إنسان جانح، مغتصب، مجرم، معنف...، وسحبت منه تاج الوقار الذي كان يحظى به في السابق من العقود، وهذا ما ساهم في تعميق أزمة الثقة، وجعل الطرفين بعيدين كل البعد عما يتطلبه الفعل التعليمي من تعاون جاد ومسؤول ومتواصل بين الأسرة والمدرسة، وخلق نوعا من القطيعة بين الطرفين، مع أن الحاجة ملحة جدا إلى امتداد حبل التواصل بينهما بشكل مستمر.
       يقتضي الواجب الوطني والإنساني والتربوي أن يعمد الجميع إلى ترميم هذا الصدع، وإنقاذ جدار التعليم المتهالك من الانهيار، فما لم تتوفر أجواء عمل مناسبة، وما لم يوضع المدرس في المكانة التي يستحقها من التعظيم والإجلال، وما لم تَعِ الأسرُ أن المدرس شريكها في التربية، وأنه كما يغضب الوالد على ولده، قد يغضب المدرس كذلك على تلميذه، دون أن يعني ذلك كرهه له، أو رغبة منه في الانتقاص منه....، وما لم تنخرط وسائل الإعلام بإيجابية في موضوع التعليم، وتتخلى عن الجري وراء التشهير المجاني لنساء التعليم ورجاله، ما لم يتحقق كل هذا، فأكيد أن الخرق سيتسع أكثر فأكثر، مما يجعل من مهمة الرتق ضربا من المستحيل، وحينئذ ستغرق سفينة التعليم عن الآخر، وسيكون من سابع المستحيلات اجتثاثها من مستنقع الفشل الذريع.