إطار التوجيه التربوي في المغرب: أكذوبة فمصيدة ثم أضحوكة


إطار-التوجيه-التربوي-في-المغرب

1) ولوج مركز التوجيه والتخطيط: الأكذوبة الكبرى!

        قبل ولوج مركز التوجيه والتخطيط التربوي، ينتاب شعور الرغبة في خوض تحدي جديد معظم أساتذة السلك الإعدادي على اعتبار أن هذا المركز هو المنفذ/الخلاص الوحيد لهم لتحقيق طموح الترقي المهني والوظيفي، نظرا لحرمانهم دون سبب من ولوج سلك التفتيش التربوي، وإقصاءهم من درجة خارج السلم أسوة بأساتذة السلك الثانوي التأهيلي. هذه الرغبة تزداد توهجا عندما يسمعون عن كون المركز الوحيد بالمغرب وبإفريقيا وله شراكات مع اليونيسكو.

       لكن الحقيقة غير ذلك، وكل ما يقال سرعان ما يصير أكذوبة حقيقية وسرابا كثيفا لأن المركز وإن كان يسلم شهادة/دبلوما من سنتين مع تكوين جيد وموسوعي، فإن مخرجاته لا تساوي مخرجات مراكز شبيهة أو أقل منه من حيث شروط الولوج والتخرج. ونخص بالذكر هنا مركز تكوين المفتشين التربويين ومراكز تكوين أطر الإدارة ومركز التبريز التي يتم التخرج منها بالدرجة الأولى مع تعويضات عن الإطار وتعويضات جزافية عن المهام، في حين يتم التخرج من مركز التوجيه والتخطيط بالدرجة الثانية مع سرقة الأقدمية العامة للمتخرج، وبتعويض هزيل جدا عن الإطار (170 درهم صافية)، ودون أي تعويضات تكميلية مثل بقية الأطر.
      أيضا، فالأكذوبة الكبرى تتمثل في ما يردده الأساتذة المكونون وكذا إدارة المركز في كل مناسبة، على أسماع المستشارين المتدربين في وصف أفواج المقبولين بصفة نهائية على أنهم: أفواج التميز، نخبة أساتذة السلك الإعدادي، أطر المستقبل، حاملو مشعل التغيير، الجودة والدقة في الاختيار .... لكن، لماذا لا يتم إنصافهم ومنحهم إطار مفتش في التوجيه التربوي ما داموا يلجون المركز بعد اجتياز امتحانات كتابية وشفهية تعتبر الأصعب على صعيد المنظومة التربوية ككل، ولأنهم يخضعون لتكوين صعب للغاية ومتنوع المجالات مع امتحانات فصلية وامتحان التخرج، علاوة على إعداد بحوث أكاديمية بجودة عالية؟ إنه تطويع وترويض التميز والتفوق والجودة لمسايرة الشروط السيكو-مترية لمصطلحي الأكذوبة والسراب (الطنز). 

2) التخرج من مركز التوجيه والتخطيط: مصيدة بدون جبن!

        بعد التخرج من المركز يجد أغلب المستشارين في التوجيه أنفسهم بين متاهات وأنياب مصيدة حقيقية يغيب فيها حتى الجبن المحفز ( أي التعويضات والقيمة المعنوية) على قليل من التعايش مع قسوة الوضع/الواقع الجديد. فكان يكفي التراجع في أخر لحظة عن ولوج المركز لأن القانون لا يسمح لهم بالعودة إلى إطارهم الأصلي (أساتذة السلك الإعدادي) في حالة عدم الاندماج السوسيو-مهني. داخل المصيدة الخالية من الجبن (الوضع الجديد المتسم بالتراجع والتحفيز)، يجلس المستشار في التوجيه قرب شواطئ ما تحقق بعيد مناقشة بحث التخرج ونيل دبلوم مستشار ليدرك في الحين أنه غريق لا محالة؛ فلا هو الآن أستاذ سابق ينعم بالاستقرار قرب عائلته، ولا هو إطار جديد فعلي من ناحية المكتسبات المادية والرمزية بعد صراع طويل مع مواد ومصوغات ومتطلبات وضرائب التكوين النفسية والمادية والاجتماعية والاقتصادية. كما سيعرف أن هناك مجموعة من زملائه السابقين الى الميدان والذين مروا من نفس المسار المهني والتكويني ونفس مركز التكوين ونفس الدبلوم استفادوا من تغيير إطار مستشار في التوجيه إلى مفتش في التوجيه عن طريق الأقدمية، بين هو (المظلوم) سيحرم من نفس الحق لا لذنب سوى أنه ولج المركز في تاريخ ما بعد 2004.

3) العمل في الميدان: أضحوكة بين الأطر والبنيات الإدارية...

       أخيرا، ظهرت تعيينات المستشارين في التوجيه... صدمة كبيرة لأن النظام المعمول به في التعيين سابقا (التعيين في القطاعات بدل المديريات) تغير فجأة دون مشاورة مع المعنيين والممارسين الفعليين (أطر التوجيه)، والذين سيكونون ضحايا لمذكرة وزارية جائرة (المذكرة 022/2017)، حيث بموجبها يتم تغطية جميع مؤسسات الإقليم دون مراعاة قلة أطر التوجيه، وتباعد المؤسسات وارتفاع معدل التلاميذ، وغياب التعويض عن التنقلات بين المؤسسات المتباعدة والكثيرة مما يضع المستشار في التوجيه أمام مصاريف إضافية مقتطعة من أجرته.
      يحس المستشار في التوجيه أنه فعلا اضحوكة كبيرة حينما يسترجع ذكريات التكوين في الرباط وألم الدراسة والتكوين لمدة عامين، وعذاب إعداد بحث التخرج، ليجد نفسه في قطاعات مشتتة في مدن بعيدة لا تشجع على الاستقرار، موازاة مع انعدام أفق الانتقال للالتحاق بعائلته ذات يوم. أضحوكة كبيرة عندما يسمع المستشار في التوجيه زملاءه من رؤساء المصالح وأطر الإدارة التربوية والمفتشين وهم يناقشون مقدار التعويض عن الإطار والتعويض عن المهام والتعويضات الجزافية التكميلية، في حين يعتبر الإطار الوحيد في المنظومة التربوية الذي ينفق على الوزارة من أجرته لأداء مهامه التخصصية والمهام الإضافية المتعددة والمهام الجديدة التي تنزلها الوزارة في كل إصلاح.
       المستشار في التوجيه التربوي أضحوكة كبيرة عندما يجد نفسه في شبكة علاقات وبنيات إدارية متداخلة  (عمودية وفوقية) مع أطر أخرى ربما لم تخضع لأي تكوين مسبق، وهي تحاول الاجتهاد في ميدان التوجيه التربوي ، انطلاقا من تمثلاتها ومنطقها الذاتي اللامنطقي وفق خلفية "صراع...هيمنة"، وكأن ميدان التوجيه "جلباب صوفي دافئ" معلق للعموم، يمكن للجميع ارتداءه والتنظير في جزئياته وعمومياته وفلسفته وغاياته. هذا والمستشار في التوجيه التربوي (المتخصص الفعلي)، لا يحق له ابداء الرأي أو اقتراح ما يراه مناسبا بناء على أسس فكرية ومدارس رائدة وممارسات مهنية في التوجيه التربوي، لأنه ببساطة الإطار "الأضعف رمزيا/معنويا" في المنظومة التربوية المغربية رغم أنه "الأفضل على الإطلاق" من بين كل أطر الوزارة من الناحية التكوينية والمهنية والأكاديمية والمعرفية. ولمن يراوده الشك في ذلك، فليسأل عن نوعية وكيفية التكوين، وعن ماهية المواد التي تدرس، وجودة البحوث المقدمة في مركز التوجيه والتخطيط التربوي، وعن المسار الدراسي للأساتذة الذين تمكنوا من ولوج هذا المركز.

اقرأ أيضا :

-احتجاجات أطر التوجيه والتخطيط: أسئلة حارقة، فإلى أين؟
-المستشار في التوجيه ... من الاستقرار الى الشتات !
-كشف المستور، بين المستشار والمفتش من قشور، المسببة للفتور، فهل يستطيع الوزير، انهاء الفتور؟ 
اخترنا لك