لمجرد مقامه من أنسنة الإنسان؛ ألا يستوجب الشفاعة ؟


عبد العزيز قريش*

            يعلم الجميع في هذا البلد الأمين أن لهيئة التدريس مكانتها الاعتبارية في المجتمع لدورها الأساس في أنسنة الإنسان في مختلف أبعاده الإنسانية والاجتماعية والثقافية والعلمية والاقتصادية والأخلاقية والدينية ... فهي المدخل الرئيس لكل تنمية بشرية ومجتمعية، ولكل تطور مجتمعي في تنوع مجالات حياته وتعدد قطاعاتها. ذلك أنها المعتمد والمعول عليها في بناء الفكر الجمعي، والكينونة الجمعية، والهوية الجمعية في عالم المعرفة. فليس من العبث أن تقدر الأمم هيئة التدريس وتوليها الأهمية الكبرى في حياتها، وتقدر مجهوداتها الكبرى التي لا يمكن للآلة أن تضاهيها؛ فقد تمدك الآلة بالمعلومات أو تحللها أو تعينك على اتخاذ قرار أو سلك مسلك ما في اتجاه معين لقضاء غرض ما... لكنها لن تربيك ولن تمنحك خلقا أو أدبا! فالبعد التربوي وهو الجانب الأهم في الإنسان يعطيه الإنسان للإنسان لا الآلة كما يزعم البعض. فلو كانت الآلة تربي لترك الأطفال في منازل الأمهات الخادمات والعاملات مع الآلة، واحتلت الآلات دور الحضانة وعوضت المربيات والمربين؛ لكن القول بأن الآلة تستطيع أن تعوض هيئة التدريس في المؤسسات التعليمية قول فيه نزاع فكر وتنازع مذاهب تربوية وتعليمية. فالقول هذا ورد في سياق نازلة هزت البلاد من جهاته الأربع. حيث ذكرتني بخوالي أيامي وأنا أقطع الفيافي والقفار صعودا ونزولا، هضابها وسهولها وجبالها، بطقسها البارد والحار والجاف والرطب، بمطرها وثلوجها ... لكي أصل إلى قمة الجبل أو قاعه حيث تسكن المؤسسة التعليمية " الفرعية/الوحدة المدرسية " وديعة تستشرف مستقبل روادها الصغار، وتمنحهم الأمل في الغد، وتؤنس شتات منازلهم بما لها من رمزية المؤسسة الرسمية التي تشي بحضور الدولة، وهي الكائن الوحيد من هذه الدولة، الذي يألفونها منذ الصغر ويألفونها كل حياتهم، فتعرفهم جميعا ويعرفونها، تحتضنهم بكل حبها، وشغفها إلى حنان قلوبهم.
            فهي التي تشهد على معاناة هيئة التدريس وعطائهم وتضحياتهم، وجليل خدماتهم، وتشهد على آثار أقدامهم غائرة في الرمال والثلوج والأوحال، وعلى مسيرهم في كل الفصول، وصدورهم تستجدي بالهواء لعل خيطا من الأكسجين يعبر حويصلاتهم الهوائية ويمدهم بنفس إضافي لاستئناف انحدارهم نحو الدواوير أو صعودهم نحو قمم الجبال، أو عبور عوائق جغرافيات وأطلسيات مؤسساتهم التعليمية، سباحة أو قطعا لجسور مهترئة ... طمعا في تعليم حرف أو معلومة أو تفكير ... فالمؤسسة التعليمية التي تشهد على رحيم احتضانهم لمتعلماتهم ومتعلميهم بكل ما وسع من عطاء ومساعدة واحتفاء وتكريم ... فهيئة التدريس في هذا البلد الأمين شموع تضيئ دياجير جهله بالعلم والمعرفة، وتبني صرح تقدمه وتنميته، وتعلي من شأنه بما تسديه من فعل الكينونة والحضور والوجود لكائن يسمى الإنسان المغربي. فهذه الهيئة الكريمة مهما حاول البعض تبخيس دورها في المجتمع أو التقليل من شأنها أو تصويرها تصويرا فكاهيا أو حكائيا هزليا، يظل شأنها عاليا شامخا بعظماء نسائها ورجالها الذين ضحوا في سبيل أجيال أمتهم المغربية ... فالقول بالتبخيس أو التقليل أو السخرية أو غيرها ناتج عن بعض الممارسات والسلوكات المشينة أو المنحطة التي يرتكبها بعض المتهورين المستهترين عديمي الضمير في قطاع التربية والتعليم فيعمم المجتمع المثل الدارج على لساننا العامي " حوتة واحدة خانزة تخنز شواري "؛ وبالتالي يسري المثل على هيئة التدريس قاطبة أينما كانت وكيفما كانت! فضلا عن أن الأمية والشعبوية المقيتة والحقد والتكالب والتآمر والتعصب والإثنية والحمية والظلم يغدونه ويزيدون من استفحاله وتكريسه ...  هكذا وعلى إثر ذلك فتغدو التجارب الراقية والمنيرة، موسومة تعسفا بالفشل تتبع للتجارب الفاشلة المنحطة، التي يقتدي بها الفاشلون!
            في تاريخنا المغربي التربوي تجارب خلدت للاقتداء بها في كريم الأخلاق ومراق التسامح والعطاء، حيث كان التسامح يسود بين المؤسسة الأسرية والمؤسسة التعليمية في نوازل الظهر الشديدة. فلم يكن القضاء المغربي يتعاطى بشكل كبير مع قضايا التعليم والتربية وإنما هي القلة القليلة التي كانت تصل إلى المحاكم. وكانت الأسرة المغربية الكريمة تستحي أن تقاضي هيئة التدريس لا خوفا ولا ضعفا وإنما من جليل أخلاقها، وعظيم شيمها تقديرا لتلك الأستاذة أو ذلك الأستاذ الذي أخطأ في حق المتعلم أو المتعلمة؛ فيصير الأستاذ أو الأستاذة متعلما وتلميذا في كنف الأسرة المغربية الكريمة، ينهل منها دروس التسامح والتعاون والتكامل، فيرفع درجة التسامح مع متعلميه! فقد عشنا قريبا ظواهر احتضان الأسرة المغربية الفاضلة هيئة التدريس مقابل احتضان هذه الأخيرة الأولى! مشاهد عظيمة يرتقي فيها الجميع إلى وحدة عضوية يحترم كل فيها الآخر، ويساعده... عشنا تجارب يطفئ فيها العقل والحكمة غضب الجهل والعصبية، مهما كانت درجة نارها ولهيبها ... فأين نحن الآن منها؛ حيث طغى القول بوجه واحد من عملة الحقوق، وهو " الحق "، ولكن أين الوجه الآخر " الواجب "؟ لمن يريد المحاسبة وبدون تعميم، هل تقوم حاليا الأسرة المغربية بواجبها تجاه المؤسسة التعليمية قبل سؤال هذه الأخيرة عن واجبها؟ ما هي الإضافة النوعية التي تقدمها هذه الأسرة لتلك المؤسسة؟ هل تساهم الأسرة في تغطية الفارق بين الحق والواجب؟ لسنا في حاجة لتقديم نتائج دراسات حول العلاقة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية في المجتمع المغربي؛ لأن النتائج ترسم مجالين رياضيين مفصولين لا تقاطع بينهما مضمونا لا شكلا!؟ فكيف لمؤسسة تعليمية شُخصنت في أشخاص نساء ورجال التربية والتعليم، وهم أشكال وألوان ومراجع ومصادر متنوعة ومنابع فكرية متعددة. وأخرجت من مفهوم المؤسسة أن يتعاطى معها الآخر بمنطق البنية والوظيفة الرسمية للدولة التي تعمل على تخليق المؤسسة والمجتمع ومؤسساته على حد سواء؟ فالآخر في ظل غياب مفهوم المأسسة لن يتعامل مع المؤسسة التعليمية إلا معاملة الأشخاص للأشخاص، وهنا تبدأ المشاكل بحدة وكثرة وزخم عنيف لا يبقي من الحطب إلا الرماد! ومن هنا المأساة التي يعيشها المجتمع المغربي ومؤسسته التعليمية التي أصبحت معتدى عليها من الغرباء. وكم من نازلة عاشتها هذه المؤسسة من تخريب لأقسامها وساحاتها وأسوارها وتجهيزاتها... فأرشيف منظومتنا التربوية والتكوينية فيه الكثير من التقارير التي تشتكي من هذه الظواهر السلبية التي تعاني منها المؤسسة التعليمية.
            في جو من قبيل هذا الذي تعيشه المؤسسة التعليمية تطرح أسئلة جوهرية، هل مازال مقام المؤسسة التعليمية المغربية المتميز والمميز قائما في المجتمع؟ وإلى أي حد يعمل نظامنا التعليمي بكل مكوناته على الاحتفاظ بهذا المقام وعلى العمل على تطويره ورفع درجته ونوعيته؟ وإلى أي حد تتظافر الجهود وتتكاثف من كل الجهات الرسمية وغير الرسمية لاحتضان هذا المقام وحثه على التطور واستمرارية كينونته ووجوده؟ وإلى أي حد يستفيد نظامنا التربوي والتعليمي من النصح والنقد الموجه إليه لتجديد نفسه وتطوير خدماته وتخليق ذاته؟ وإلى أي حد؛ يعمل على أن يكون استباقيا في تغيير آليات تفكيرنا نحو المنهج العلمي مدخلا للحياة أولا ثم للتقدم الحضاري ثانيا؟ ألا يوجد هناك انفصام ما بين مؤسسات المجتمع يذكي الصراعات الباردة والناعمة بدل التكامل والتعاون والتكافل؟ في هذا الجو المشحون والمحتقن والمعقد تظهر من فينة لأخرى نوازل عظيمة، تكون نتائجها وخيمة على المجتمع ككل، وليس على أصحابها فقط. فمقاضاة أستاذ بعينه هي مقاضاة لمنظومة تربوية وتكوينية برمتها، ومقاضاة لمنظومة أخلاق بكليتها، ومقاضاة ثقافة شعب بمجمله! فمقاضاة أستاذ بنفسه تكسير للعلاقة الروحية بينه وبين المتعلم والمتعلمة، وكسر للعلاقة الاجتماعية والمؤسساتية بين مؤسستي الأسرة والتعليم، وفتق في أحشاء المجتمع المغربي بإذكاء الصراع بين طبقاته الاجتماعية والمهنية، وفض للعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وميل للفكر الفردي وللتغول وللتنمر، وبعد عن الفكر الجماعي والتكافل ... فهذه القضايا لها أبعاد رمزية تشتغل في العمق لا في الظاهر، وتظهر نتائجها على المدى البعيد ... وما نحصده الآن ليس سوى نتيجة ما زرعناه في ماضينا من قيم سلبية ...
            في راهنية منظومتنا التربوية والتكوينية وواقعنا المعيش تتداخل الطرق وتتشابك المسالك، وتتعدد المصالح والأهداف، ولكل مسلكه الخاص في استخلاص مصلحته وهدفه من خارج الأطر الفكرية والقيمية السليمة، فيزداد الواقع أزمة وتتعمق بين ثناياه، فنذهب إلى حلها بما هو أعقد منها، وتترصد القضايا والمشاكل، فنحتار في أمرنا، ولا نجد له تفسيرا ولا عقلنة ولا منطقا، فيغدو كأنه عبثية الوجود، نعيشها، فنتألم ونتعذب دون جدوى ... فتمسي طاقاتنا مهدورة وضائعة بل ومغدورة! لذا لابد من الحكمة والتعقل والرزن في التعاطي مع قضايانا ومشاكلنا التعليمية والمجتمعية حتى نقاربها بأقل خسارة ممكنة. أليس من الحكمة أن نتدخل بأساليب إنسانية وحضارية لحل تلك القضايا والمشاكل، واستحضار القيم المغربية النبيلة في تناولها؟ فلو أخذنا مقاضاة أحد الأساتذة الكرام التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي حاليا مثالا على مجموع القضايا والمشاكل التي يعاني منها قطاع التربية والتكوين والمجتمع، وما يحكى في النازلة من كلام عام وتفصيلي، حيث المنطقة الرمادية تسود رؤية من كان خارجها لانعدام وسائل الإثبات لديه كقارئ للظاهرة؛ ليسعه إلا الارتكاز على معطى مقام هيئة التدريس في المجتمع ودورها في حياته مؤازرة بموقعها لدى الأمم الراقية لتطرح أسئلة عريضة، وهي: أليس لهيئة التدريس مقامها الكريم عند المجتمع المغربي الفاضل توجب لها بمنطق التسامح والغفران حق الشفاعة من هفوات وظيفية تقع افتراضا وإمكانية في أي مرفق عمومي؟
*باحث في علوم التربية  

                                     

اخترنا لك