باكالوريا 2020! كل التصورات تحت رحمة كورونا!!

عبدالله أطويل

بقلم عبدالله أطويل -لموقع profpress.net
أستاذ مادة علوم الحياة والأرض


لا أحد يستطيع أن ينكر الارتباك الكبير الذي مس الإيقاع الزمني للموسم الدراسي 2019-2020. وقُضَّ مضجع الخارطة المدرسية بسبب جائحة كوفيد19، حيث أنه مع توقيف الدراسة الحضورية بجميع أسلاكها منذ يوم 16 مارس، وبالإضافة إلى فترة تمديد الحجر الصحي إلى غاية 20ماي 2020، بات الموسم الدراسي الحالي غير واضح المعالم، كما لو أنه في كف عفريت. فمن جهة تزداد الضبابية مع اقتراب المواعيد المخصصة لإجراء الامتحانات الاشهادية الجهوية والوطنية (امتحانات نيل شهادة البكالوريا)، ومن جهة ثانية لا أحد من العلماء والمختصين له القدرة على الإلمام الدقيق أو التنبؤ العلمي لتواريخ نهاية هذا الوباء اللعين، حتى يكون حينئد بمقدور كل من بيده أمر التخطيط أن يستشرف على ذلك في تخطيطه لانهاء الموسم المدرسي والجامعي بأقل الأضرار. مع كل هذه المعطيات يكون مصير باكالوريا 2020 غير واضح المعالم، بل مرتبط أساسا بما ستسفر عنه الحالة الوبائية من تطورات، خصوصاً في غضون الأسابيع القليلة القادمة، ليتأكد بالملموس أن أجندات الموسم الدراسي سواء المدرسي أو الجامعي أصبحت رهينة بين يدي فيروس كورونا.

إيمانا بالوزارة الوصية بالأهمية البالغة لسيرورة المحتويات البيداغوجية، سارعت إلى اللجوء مباشرة بعد توقف الدروس الحضورية إلى اعتماد التعليم عن بعد أو "الاستمرارية البيداغوجية"، وتمت تعبئة مجموعة من المنصات والوسائط. ولأن الشيء بالشيء يذكر.، وكما يقال في المثل العربي "لسان الحال أفصح من لسان المقال"، فلسان حال تجربة التعليم عن بعد قد أفصح بالملموس أنها تجربة أرعدت ولم تمطر. وهذا نقاش وحده يجرنا لمواضيع أخرى من قبيل مشروع "رقمنة التعليم" ومشروع "جيني" وما إلى ذلك من  المشاريع التي لا حاجة لنا في الخوض مع الخائضين نبشا في مآلها.  
الحكم على التعليم عن بعد بالتعثر، واكراهاته المتعددة وعدم تقديمه للفعالية، حكم أكده رئيس الحكومة بعظمة لسانه، وقبله صرَّح به السيد وزير التربية الوطنية وهو يؤكد أن التعليم عن بعد لا يمكنه أن يكون بديلاً للتعليم الحضوري وبنفس الفعالية. بمعنى أو بآخر هذا إقرار صريح بتعثر تجربة التعليم عن بعد، إذ من المرجح، وضربا من الصواب عدم أخد نتائجه بعين الإعتبار ضمانا لمبدأ المساواة بين المتعلمين وتكافؤ الفرص. وإن كنا لا ننكر أنه تم على الأقل بوسيلته تحقيق نوع من الاستمرارية البيداغوجية ولو نسبيا، -(فئة من المتعلمين دون أخرى)-، لكن صخرة الاكراهات كانت صلبة وكبيرة أمام هشاشة هذه التجربة.

على مستوى الجانب الديداكتيكي والمحتويات التربوية المقررة، ضمن برامج مختلف المسالك والأسلاك التربوية برسم الموسم الدراسي الحالي، فإلى حدود تاريخ توقف الدراسة الحضورية وبداية الحجر الصحي بالبلاد، فقد تم تقريبا إنجاز ثلاثة أرباع من المحتويات الدراسية، بهذا يكون ما تبقى من البرامج والمقررات الدراسية هو 25٪ أو 20٪، وهذه مؤشرات قد تساعد الساهرين على التفكير في سيناريوهات إتمام الموسم في إيجاد صيغة ملائمة من التصورات الكفيلة لتحقيق ذلك، وبأخف الأضرار الممكنة. بمعنى أن استيفاء الموسم الدراسي كان على الأبواب.

من الجدير بالذكر أن نأكد في هذا المقال أنه بخصوص التصورات والسيناريوهات المحتملة، فهذه الأخيرة مرتبطة بالجائحة "الكورونية" وتبعاتها ارتباط الرضيع بثدي أمه، فأي تصور يمكن أن يُطرح في ظل استمرار الوباء فهو يظل رهين الحالة الوبائية، ومهما خطط المخططون من خطط فلا يمكن تدبيرها بالشكل المثالي، إلا برفع الحجر الصحي والسيطرة على الجائحة.
نرى من وجهة نظرنا أن أجندات إنقاذ الموسم الحالي بمختلف التصورات والسيناريوهات لن تخرج عن حالتين وفقهما قد يتم تخطيط أو إخراج ما يمكن على ضوئه تدبير ما تبقى من الموسم الدراسي ومعه تدبير باكالوريا الموسم الحالي.
بمعنى آخر، يمكن أن نتوقع تصورين أساسين، لتخطيط آلية استئناف الموسم وكيفية تنظيم إجراءات الباكالوريا.
التصور الأول يتوقع بل يشترط إنتهاء الوباء ورفع الحجر الصحي قبل 20 ماي، -(حالة انتهاء الوباء)- وهذا ما نتمناه، بحيث مع هذه الحالة يمكن إنقاذ الموسم بأقل الخسائر الممكنة. أماثاني التصورين فهو الأسوء، -(حالة استمرار الوباء)-، إذا ما قدر الله إستمرار الوباء وتمديد ثاني للحجر فهنا من الصعب إيجاد حلول ناجعة، وإن وكانت فستكون مجرد حلول نيئة ليس أكثر.

السيناريو الأول يُبنَى على تاريخ محدد لنهاية الحجر، والتاريخ الحالي هو 20 ماي، وهذا التصور الذي نحن بصدد الحديث عنه، فهو شبيه إلى حد ما، بل يتقاطع والتصور الذي أشرفت على اقتراحه هيئة التخطيط التربوي، على شكل مقترح من رزنامة من الإجراءات بناءً على تواريخ وأجندات معينة. طبعا هذه التواريخ تضع في الحسبان السيطرة على الوباء وانحساره في التاريخ المحدد لفترة التمديد، وهذا ما نتمناه. إذ ذاك لا نرى ما يمكن أن يهدد السنة الدراسية، بحيث يكون من الوقت الكافي للتكيف بمرونة وسلاسة مع ما تبقى من عمر الموسم، في هذه الحالة بالذات قد يكلفنا الأمر مجرد تأجيل موعد الامتحانات الإشهادية بمدة شهر، (تحيين المذكرات التنظيمية للاجراءات الاشهادية الخاصة بالموسم الحالي)، مع تقليص المدة بين الدورة العادية والاستدراكية. بالإضافة لذلك سيكون من اللازم بعد العودة للمدرسة تكثيف حصص للدعم لاستكمال ما تبقى من البرنامج وتهييء المتعلمين خصوصا تلاميذ المستويات الإشهادية والمقبلين على الامتحانات الموحدة، ومنهم تلاميذ السنة الأولى والثانية باكالوريا.
دون أن ننسى أن الحالة العادية منذ سنوات مضت، وطبقا للمذكرات والمقررات الوزارية التنظيمية، كانت تواريخ الدورة العادية للباكالوريا تجرى بداية شهر يونيو، والدورة الاستدراكية مع بداية يوليوز، والنتائج النهائية كانت في حدود منتصفه، مع التصور الذي نتكلم عنه وبالعودة التدريجية بعد 20 ماي، مع تأجيل الدورتين وتقليص المدة الفاصلة بينهما وتسريع فترة التصحيح ومداولات النتائج وإعلانها، قد ينتهي الموسم تقريبا على غرار سابقيه من المواسم.

أما السيناريو الثاني والذي لا نتمناه بالمرة، إذا قدر الله استمرار الوباء وتمديد ثاني للحجر ومعه من الطبيعي ستستمر المؤسسات التعليمية مغلقة، هنا سيكون من اللازم على الوزارة الوصية التفكير في الحلول الممكنة، كما أسلفنا الذكر، فهذا السيناريو لا يتمناه أحد حتى الذي بلغ به التشاؤم مبلغه، لكن على المخطط أن يتوقع كل شيء، حتى الأسوء يجب انتظاره، كما يقول أحد الأمثال الفرنسية، "وأنت تخطط، لا تنسى أن تتهيأ لأسوء سيناريو حتى وإن حدث لا تأتي معه صدمة المفاجئة".
في هذه الحالة لم ولن تكون المهمة باليسيرة على المنهمكين في إخراج الصيغة الكفيلة بجر الموسم نحو شاطئ الأمان بأقل الأضرار. مع ضرورة إجراء الامتحانات الموحدة للأقسام الاشهادية، باعتبارها السبيل الوحيد لضمان مبدأ تكافؤ الفرص، وهذا سبق وأكده السيد الوزير، حيث تطرق إلى استحالة الباكالوريا بدون تقييم أو امتحانات موحدة، كما أنه أبعدَ كل الأفكار التي قد تروج عن إجراء امتحانات عن بعد، وفي ظل إنجاز معظم المحتوى المقرر، مما يستحيل معه اللجوء للسنة البيضاء وما بعدها من تبعات اجتماعية واقتصادية مكلفة. وهذا أيضا طرح نفاه المسؤول الأول عن القطاع نفيا تاما. طبعاً هذا السيناريو سيجعل القيمين على دراسته في ارتباك وحيرة من أمرهم حين يتراكب عليهم أمر إنهاء الموسم الحالي مع بداية الموسم المقبل، خصوصاً ما إذا استمر الوضع الوبائي إلى أبعد حدوده.

في هذه الحالة قد يكون من الحلول نموذج يقضي بتنظيم إجراءات الباكالوريا، وغيرها من المستويات الإشهادية بما يستجيب للتدابير الاحترازية، وبمعايير محددة وهنا نتحدث عن اعتماد ما تم التطرق إليه من البرنامج الدراسي إلى حدود تاريخ توقيف الدراسة الحضورية.
أو ربما من الممكن نمودج آخر دائما تحت مظلة سيناريو استمرار الوباء وهنا يمكن تأجيل الامتحانات الاشهادية بما فيها إجراءات الباكالوريا إلى فترة بداية الموسم المقبل، مع تأخير في انطلاق موسم 2020-2021، وإن كان من المستبعد جداً أن نصل إلى هذا السيناريو بل يبقى الأوهن بين سالفه، لكنه يظل واردا ما لم تظهر معالم غيره.
ونحن نستحضر المجهودات المبذولة في مجابهة الوباء، ومع توسيع دائرة الاختبارات الكشفية المنجزة التي تجاوزت 2000 إختبار يومي، مما يعطي الانطباع الايجابي حول  إمكانية تسريع محاصرة الوباء وانحساره، يظل التفاءل هو السمة الأساسية، ويمكن أن نرجح السيناريو الأول، ونحن نتوقع تسجيل آخر الحالات قبل تاريخ 20 ماي، وبهذا يكون التصور الأول هو الأقرب، والموارد البشرية لوزارة التعليم من أساتذة وأطر إدارية لهم كل المواصفات الجيدة وبوسعهم كل التضحيات لإنقاذ الموسم الدراسي، وباكالوريا 2020 لم وربما لن يكون معها من المشاكل، وإن تزامن زمنها بعهد كورونا.