النص الأدبي بين الخطابة و الصبابة

عبد الرحيم حكى،أستاذ التعليم الابتدائي،طالب باحث،كلية علوم التربية، الرباط
عبد الرحيم حكى
أستاذ التعليم الابتدائي
طالب باحث،كلية علوم التربية، الرباط

1.مفهوم النص:


        العمل الفني شجرة ذات نخوة في بستان الإبداع،والأدب فنن مثقل بثمار المبدعين، ذللت قطوفها للمتلقي، الذي يسعى إلى تذوق كأس الفهم من سلسبيل هذه الجنان، فكان لزاما على العمل أن يكون عظيما، وعلى الكاتب أن يكون متقنا، وعلى القارئ أن يكون متفاعلا. و لقد سجل النص حضورا مألوفا في معاملاتنا اليومية، في أنواع المحادثات ،يؤدي أغراضا شتى، ويبقى تحديد ماهيته مشروعا غير سهل الضبط والقطع. لهذا السبب تأسست في ألمانيا مدرسة للسانيات النص، تتبنى مقاربات عديدة في هذا الصدد.

        ويعود السبب في صعوبة تحديد مفهوم دقيق للنص إلى الأسباب التالية :

*عدم تحديد الطول المعياري للنص، هل هو جملة ؟ أو أكثر ؟ أو أقل من جملة ؟

*عدم الحسم في سنده، هل هو الكتابة ؟ أو الخطاب الشفهي ؟

*عدم ضبط نظامه العلاماتي، هل هو علامات دوالية فقط ؟ أو علامات رمزية ؟

      و قد تناثرت داخل الكتب التي تعنى بتحليل الخطاب  تعاريف تكاد تكون مرحلية، يراد منها بناء فكر عليها أو تناول موضوع آخر دون الوقوف بمسؤولية حتى يستبين المفهوم ،وفي محاولة لجمع الشتات نستعرض بعض التعاريف، بمقاربتين أساسيتين :

▪المقاربة اللغوية:

    من المعروف أن لفظة ( النص ) من فعل ( نصص )، وجاء في معجم لسان العرب لابن منظور قوله : نصص، النص أي رفع، نقول نص الحديث أي رفعه. وكل ما ظهر وعلا فقد نص،  ويقال نصت الظبية جيدها أي رفعته، والمنصة تعني الفضيحة والشهرة والظهور، وتطلق أيضا على ما تظهر عليه العروس، وفي حديث عبد الله بن زمعة : أنه تزوج بنت السائب، فلما نصت لتهدى إليه طلقها. ويقال : نصصت المتاع ،اذا جعلت بعضه على بعض.

النص والنصيص : السير الشديد والحثيث، وأصل النص، أقصاه وغايته. ويطلق على السير السريع ...

ومن هنا، تدل لفظة (النص) على معان عدة : الظهور، الارتفاع، البروز، السرعة، وضم شيء إلى آخر، والغاية  والاستقامة .

ومن ثم فالنص :

"نسيج من الجمل المتاضمة والمتراكبة والمتتابعة، المخطوطة بوضوح وبروز، يدرك معناه بتتبع ملفوظاته بشدة ونهج حثيث حتى أقصى غاياته.

▪المقاربة اللسانية:

     انطلاقا من مفهوم (النص)، يعرف عبد الفتاح كيليطو النص بقوله : "النص هو الذي يتميز بالنظام والانفتاح، ويحمل مدلولا ثقافيا، ويكون قابلا للتدوين والتأويل والاستشهاد به". و يكون النص غامض الدلالة، يتميز بالغرابة والانزياح والخرق بدل الألفة والكلام العادي السوقي ،وهذا ما دفع (ميشيل فوكو) إلى قوله: إن النصوص نادرة وقليلة، فليس كل ما يكتب ويدون يعد نصا، فالنص تتوفر فيه مجموعة من الشروط الجوهرية، كالاتساق والانسجام والقصد والقبول والاتصال والمقامية ...


      إن النص عبارة عن مجموعة من الجمل التي تشكل التمفصل ،أو التلفظ المزدوج حسب (أندريه مارتينه). ومن ثم يتكون النص عبر التحام الجمل وانتظامها عضويا وموضوعيا، وتشكل ما يسمى بالفقرات، والمقاطع والمتواليات، ووظيفته الأساسية والبارزة  هي التواصل و الإبلاغ والتداول. ولقد حاول (روبييرلافون) و (فرانسواز مادري) و (بول ريكور) تحديد مفهوم للنص، وتمخضت عن مجهوداتهم استخلاصات منها :


*النص هو كل خطاب مثبت بواسطة الكتابة .

*النص هو كيان يتوسط العلاقة بين الكاتب والقارئ، فيغيب الكاتب ويحاور القارئ .

*النص سلسلة من العلامات المنتظمة في نسق ، تنتج معنى كليا يحمل رسالة .


      ونخلص من المقاربتين إلى تعريف نسقي للنص : فهو كل كلام متصل ذو وحدة جلية تنطوي على بداية ونهاية، يتسم بالتماسك والترابط ،ويتسق مع سياق عام خارجي أنتج فيه ،وسياق داخلي تحكمه اللغة، يربط الكاتب بالقارئ بعلاقة يتغيب فيها الأول ويتحاور الثاني، تثبته الكتابة التي تعد متوالية لرموز وعلامات خطية، ونقش يضمن ديمومة المنطوق.

2.روح النص:


       إن  النص يعرف أكثر من مؤلفه، و ذلك أن الكلمات التي ترصفه تتجاوز واضعها إلى المجهول، و اللاتموقع في خيال التأويل.  إن الكاتب يزبر ما لا يعرفه بدقة، و بهذا يمكننا وسم النص بوشاح الأدب حتى يكون زائفا عن الظاهر، و يكتسب سحره و حظه في حوض المعنى الفائض على جنبات الدلالات. النص الأدبي هو بوتقة التجاذبات الداخلية للمكبوتات  التي تراكمت في منطقة اللاشعور، منذ الطفولة الأولى،  و قد لا تتوقف مادام وأد الرغبات يقصف المؤلف.

      الأديب ينصهر في وسطه و في ذاته، فيصدر  خطابا يتجلى في الكلمات و التعابير و الأساليب،  و يضمنه وظائف و رسائل بطائنها صبابة النفس،  و جمالية الجوهر، و لنقل إن الإنسان يتحدث بالنص و النص يتحدث عنه.

قد ينشغل المؤلف في انتقاء الأوعية المناسبة للدلالة التي يتوسم فيها انطباعا لصيقا لما يخالجه، و لكنه يغفل عن حجم هذا الوعاء ،و ما يمكن أن يبتلعه من معاني قد تدفن شعوره في مقبرة قذائف اللاشعور ، كما يسميها ( سيجموند فرويد ).و لهذا فهو يقول ما يظن أنه يظهره، و يظهر ما يجهله، و قد يكشفه قارئ ما في زمن آخر و في مكان آخر.

      و نقول أيضا إن القارئ يرى في النص ذات الآخر في نفسه، و نفسه في ذات الاخر. اللاشعور يخاطب اللاشعور. و هكذا فالفهم وهم، من الزاوية النفسية، و هو مجرد تبادل سحابي بين اللاشعورات.

      و لا نحكم على نص أنه رائع إلا إذا كانت المعاشرة بيننا و بينه قادرة على إحداث تقمصات، و تحريك انفعالات داخلية، و مراودة للذات. و بلغة العلاج النفسي، نهمس بأن النص يخاطبك في صمت لتبوح بما في داخلك و تكشفه للآخرين. قل لي ماذا تقرأ ،أقل لك ما يشغلك.

      و في الختام، نخلص أن الأديب كذاب، ليس لأنه يزور الحقيقة، و لكن لأنه يدبج لواعج نفسه و شرر لهيبها بلغة "ميتامنطقية"، إن استقام التعبير، فهو يقطف كلماته من أفنان البلاغة حيث ثمار الكناية و المجاز و الاستعارة. و لا سلطة للناقد بالمنطق أمام دهاقنة الصبابة، و الجهبذ النافذ هو الذي يسعى لفك شيفرة لغة الروح لا لغة الجسد. فأصحاب الفن يعتصرون  من سحائب الأشواق ،و يتنفسون من نسائم الأذواق، و لولا هذا الكذب ما كان للنص سحر ،و ما كان للقارئ مس.

__________________

المراجع:

●جان بيلمان نويل، التحليل النفسي و الأدب، ترجمة حسن المودن، المجلس الأعلى للثقافة، مطابع الأهرام بكورنيش النيل، 1997.
●ابن منظور، لسان العرب، مطبعة دار صادر، بيروت، لبنان.1990
●جميل حمداوي، محاضرات في لسانيات النص، موقع الألوكة.