وظيفة اللغة

وظيفة اللغة

عبد العزيز بوفود

تكتسب اللغة، في التعليم الأساسي، بالممارسة الوظيفية، وليس بالوصف المجرد، وهذه بديهية يجمع عليها المختصون(ات) في اللغات. ويؤكد عيلها جميع المهتمين(ات) بديداكتيك اللغة.
فالطفل يتلقى اللغة في الحياة الاجتماعية بشكل وظيفي، ويمارسها في هذا السياق استماعا وتحدثا، ولذلك اتجهت برامج اللغة إلى جعل التلميذ(ة) يستمع للغة المعيارية من طرف(الأستاذ(ة)(الحمام اللغوي)، ويتحدث بها في سياقات ديداكتيكية منتقاة؛
وبطريقة أخرى فإن البرامج اللغوية بنيت على أساس جعل التلميذ(ة) في وضعيات تتضمن مهام لغوية تقتضي إنجازا/أداء لغويا(الإنجاز حسب تشومسكي)، وعليه فإن أي تلميذ(ة) لم يتلق اللغة من قدوة لغوية(المدرسة، الأسرة، الإعلام ...)، ولم يمارس اللغة شفويا وكتابيا، ولم يتفاعل لغويا مع غيره... لن يتمكن من بنياتها وقواعدها، ولن يكون قادرا على أدائها في عائلة الوضعيات المرتبطة بالكفاية اللغوية. وسيتعثر في فهم الخطابات اللغوية التي يعج بها وسطاه المدرسي والاجتماعي، وفي إنتاجها أيضا.
بناء على ما سبق، فإن تقديم درس لغوي من طرف الأستاذ(ة)، بطريقة يشرح فيها هو، ويسأل، ويجيب، ويتدرب ويطبق.... مقاربة لن تؤتي أكلها، بل هي جهد في غير الاتجاه الديداكتيكي المنشود. لأنه في هذه الحالة هو/ هي التي تتعلم، وليس التلميذ(ة)
كما أن التركيز على القواعد اللغوية والتمارين التطبيقية، وجعل الحصة تستغرق في تصحيح التمارين، وجعل الرفع والنصب والجر حركات مهيمنة أقول مهيمنة على الدرس اللغوي(يواجه بها حيثما ولى وجهه)، مطبة تحول بين المتعلم(ة) وحب اللغة، وحب كل ما يرتبط بها(انتقال الأثر العاطفي) .... وتجعل كل المبتغى والمراد ينحصر في تقديم الدروس فقط، والتحرر منها، وتدبيج التقارير والوثائق عنها... وكفى الله التدريس شر الدلالة.
وهو(التركيز)كذلك، لعمري، منزلق يجعلنا نعيد تدريس اللغة بلاشعورنا اللغوي، حيث كان أعلمنا هو من يتقن القواعد والإعراب، ودونه من ألف القصائد والقصص والمسرحيات والمقالات و ....
إضافة إلى ما سبق، فإن تدريس القواعد اللغوية بشكل تجزيئي بعيدا عن وسطها الديداكتيكي والاجتماعي(النص والممارسة/التفاعل السوسيولغوية)، يخرج لنا تلاميذ(ات) يتقنون القواعد تذكرها، ويسترجعون تفاصيل إعرابية طريفة، بلغها العقل النحوي العربي بعد أشواط تاريخية، (أحيل في هذا المجال على حيثيات ظهور حركات الشكل في السياق العربي: أبو السود الدؤلي وعلي بن أبي طالب) ؛ يتعرف التلاميذ(ات) كل هذا، ويصيبهم العي في مجالات التطبيق، ويمسهم الحصر في سياقات التعبير عن خوالجهم، وفي التفاعل مع أفكار وأحاسيس الآخر، فما فائدة تعلم اللغة إذن، إذا كان منتهى أمر دروسها الإعراب؟ وهل تستحق هذه النتيجة كل هذه المجهودات والأيام والليالي؟
إن الشكل إذا أبعدناه عن وظيفته(تعرف وظائف الألفاظ في التركيب)، والإعراب إذا أحذناه عن دوره(مؤشرات تعرف الوظائف)، صارا عبء وثقلا ككثرة الملح في الطعام. وصارت اللغة شكليات دون روح، ودون نكهة نفسية واجتماعية.
وقد برمجت هذه المقاربة في تدريس اللغة، بصفة عامة، جيلا بطريقة جعلته يقدس اللغة، ويموت وفي نفسه شيء من حتى، ويهتم بالأخطاء اللغوية، ولا يلتفت إلى الأخطاء المنطقية(التفكيرية)، جيلا يعجز عن أخذ الكلمة، والدفاع عن وجهات نظره، والعمل على ترك الأثر الإيجابي في المتلقي(ة). لأن البرمجة اللغوية كونت منه شخصا يبحث عن (السلة دون عنب) أي سلة التكلم دون أخطاء في المعجم والصرف والنحو، والسلام.
ولا ينبغي أن يفهم مما سبق أني ضد تدريس القواعد اللغوية والشكل والإعراب، لكنني مع إعادة النظر في المقاربة، بشكل يجمع بين البنيتين العميقة والسطحية، ويجعل اللغة وسيلة وسيلة مساعدة على تحسين التلقي، وبناء الدلالة اللغوية، وتجويد التذوق، وتشرب جمالية القول والفعل، ومنطقة التفكير (من المنطق)، وواقعيته، وتحقيق الصدق الأدبي في الخطاب.