هيغل : الإبن المغرور

بقلم عبد الفتاح الحفوف

بقلم عبد الفتاح الحفوف

إن الحديث عن فلسفة هيغل الفيلسوف الألماني (1770/ 1831)،هو الحديث عن فلسفة أشبه ما تكون معقدة إن لم أقل صعبة على المتمرس وغير المتمرس، ولعل سبب غموضه في ما أعتقد، قدرته على إخفاء الفلسفات السابقة عنه، سواء بوعي أو بغير وعي منه. فلا يمكن دراسة فلسفة هيغل بغض النظر عن الكلي  the universal. والكلي هنا ليس مجرد تجميع الجزئيات،بل الكلي هنا هو الفكرة الشاملة التي توحد الضدين (يسميها هيغل بالهوية المطلقة) .هذا الإخفاء له معنيين: الأول قد يكون تنكرا للفلسفات السابقة عنه، وهو ما يجعلنا نصفه بالشخص المغرور. فتكون فلسفته ذاتية . والثاني أن هيغل في نسقه الفلسفي لا يصرح بالأشخاص. وفي هذا السياق يجب أن تكون على علم بكافة النتائج التي توصلت إليها الفلسفات السابقة عنه ، منذ ما قبل اليونان الى الفترة المعاصرة له. وهي فلسفة أشبهها الى حد كبير بفلسفة المتصوف الكبير، أو المعروف بالشيخ الأكبر " محي الدين ابن عربي 1165/1240"خاصة في كتابه الفتوحات . مهمتنا تكمن في تبيان أن هيغل اجتر ما يمكنه اجتراره مما سبق، فأصابه نوع الغرور،  فغالبا ما تزعم فلسفة هيغل أنها استوعبت جوهر الفلسفة السابقة ، لكن لا تستطيع أن تتنكر للمثالية الألمانية خاصة مع كانط، والمثالية القديمة مع أرسطو وأفلاطون.لهذا قال   »ولاس «wallace " إن ما يريد هيغل أن يقوله ليس جديد ولا هو مذهب خاص، وإنما هو فلسفة كلية عامة universal تداولتها الأجيال من عصر الى عصر،تارة بشكل واسع، وتارة بشكل ضيق،ولكن جوهرها ظل هو هو لم يتغير،وقد ظلت على وعي بدوام بقائها،فخورة باتحادها مع فلسفة أفلاطون وأرسطو..." 1.(فلسفة الروح ص 9.10) . فما يجعل هذه الفلسفة مميزة عن باقي الفلسفات، هو تعبيرها عن الكون المطلق أو العقل المطلق أو التكامل بين الأضداد. 
إن فلسفة هيغل تقوم بالأساس على اعتبار الوعي – هو مفهوم أساسي في فلسفة هيغل- سابقا عن المادة، عكس النظرية الماركسية. لهذا نجد عند هيغل :" أنه مادام للإنسان وعي بالذات ، فهي سمة تجعله قادرا على الارتداد أو الانعكاس"2 . السؤال المطروح إذا : ما هي هذه الفلسفة الكلية التي يزعم بها هيغل في نسقه؟ أليست المبادئ الأساسية في فلسفته هي نفسها في الفلسفة المثالية لدى افلاطون و أرسطو وكانط على الخصوص ؟ لماذا تنكر هيغل لهم وخضع الكل الى منطق الغموض والإبهام؟
بادئ ذي بدء لن نقف على كل الفلسفات، بل سنفترض أن الخطوط العريضة في نسقهم معروفة سلفا، وإنما سنعلن صراحة أو ضمنيا ما كتشفه هيغل في فلسفتهم، سنعرض فلسفتين نعتقد أننا وجدنا تحديدات هامة لهذه الفلسفة الكلية.وهي فلسفة اسبينوزا وكانط ، وسبب اختيار هذين المجالين يكمن فيما لهما من رهانات سواء الحاضر أو المستقبل، خصوصا وأنهم ( اسبينوزا وكانط و هيغل) عاشوا  في عالم شهد صراعات سياسية واقتصادية وايدولوجية...وأغلب الأطروحات التي كتبت عنهم تحمل أكثر من معنى. يقول في هذا الصدد الفيلسوف الفرنسي جان ميشال باستييه "إن اسبينوزا وكانط  و هيغل هم المؤسسون للفلسفة الحديثة بجميع فروعه، وهم كانوا أول من خَلًص الفلسفة من هيمنة السلطة الدينية،ونادوا بأن يكون الإنسان حرا لكي يكون موجودا بالفعل،داعين إياه الى التفكير بدوره حول العالم بالاعتماد على العقل".

1) اسبينوزا  و هيغل:

في السياق الفلسفي الذي ظهر فيه الديكارتي المعروف باسبينوزا، نجده قد انطلق من مبدأ معروف سيكون له دور مهما  في النسق الهيغلي في ما بعد ، وهو مبدأ( كل تعين سلب) كأن نقول مثلا سقراط فيلسوف ، نكون حسب مبدأ اسبينوزا قد أغفلنا / حذفنا  عنه أنه ذكر،يوناني ، أبيض...وغيرها من التحديدات، وقد سبق أن مر علينا أن التعريف معناه وضع الحدود  للشيء. إن التحديد هو عبارة عن نفي أو سلب.
 مع هيغل هذا المبدأ معكوس بمعنى " كل سلب هو تحديد أو تعين"3 الفرق بينهما هو  : اسبينوزا يعتبر كل تعين نعتبره سلب، على اعتبار أن الاثباث لا يتضمن الفني فحسب، بل أن النفي يتضمن الإثبات ، ويكون الإيجاب والسلب متلازمان ويتضمن الواحد منها الآخر ،مثلا (كوحدة الوجود ).أما مبدأ هيغل فهو " نفي الشيء معناه إيجابه أو سلب الشيء يعني وضعه"4 
لهذا يكون السلب هو مبدأ الحياة من جيد أو هو الذي يبعث الخلق من جديد ، فيكون هو الشرط الضروري لظهور العالم الى الوجود. وهذا مبثوث في نسقه ككل ، ويعود فضله الى اسبينوزا – لا نستطيع أن نتوغل أكثر في الحديث  عن " التعين ، السلب، التحديد) كلها مفاهيم متداخلة تتضمن الوحدة أو الكلية بلغة هيغل، وقد سبق أن عبرنا أنها مجرد خطوط عريضة افترضنا انك تمكنت منها. نفس الأمر عندما نقف عند اللامتناهي  infinité، فنعتقد أن الشيء لا متناه يعني أنه غير محدود ، فيكون الشيء المعين هو الشيء المحدد. بمعنى أن اللا متناهي هو اللامتعين ، وهذا الاخير لا وجود لصفة نصفه بها فيكون حسب اسبينوزا هو الفراغ اللامتعين. و المضمر في فلسفة اسبينوزا حسب هيغل يتجلى في الجوهرsubstance- أحد المقولات- والجوهر عند اسبينوزا يعرفه " ما هو بذاته  وما يتصور من خلال ذاته " أي التصور الذي لا يعتمد إلا على ذاته في تكوين ذاته ، لكن النسق والمقولات الهيغلية على التحديد لا تقبل هذا التصور ، وهو ما دفع هيغل الى تطويره معتمد في ذلك البحث عن خلل  مفهوم الجوهر عند اسبينوزا وغيره من  السابقين. فاكتشف هيغل على اثر ذلك أن  جوهر  اسبينوزا  إذا كان علة ذاته causa sui كما يعتقد ،فهو ليس اللامتعين بل هو المتعين بذاته، واستنتج على أن " التحديدات ليست نابعة من مصدر خارجي ، بل من ذاته فقط ، فخلص الى القول على أن اللامتناهي ليس هو الذي لا نهاية له، ولا غير المحدود والمتعين، بل هو المتعين بذاته أو المحدود بذاته..."5 إذن فكرة الجوهر واللا تناهي عند هيغل نجد عناصرها  بشكل معكوس في جذور فلسفة اسبينوزا. 

2) كانط و هيغل  :

يعتبر الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط (1724- 1804) من أعظم الفلاسفة  في القرن الثامن عشر، والذي كان له الفضل في المنعطف الذي شهده العلم ( الثورة الكوبرنيكية) والثقافة الألمانية الحديثة على الخصوص.لقد كان أيضا من بين الذين أعادوا إحياء الفلسفة المثالية  - إعادة النظر في العلاقة القائمة بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي- مباشرة بعد موت أرسطو، فأصبح ممثلا للفلسفة الكلية، رغم أنه في جل قضاياها ينكرها،فقد أعترف هيغل في مدوناته بعظمة المنظمة الفكرية لنظيره كانط، حيث مجد فكره وأثنى على أطروحته، لكنه مع ذلك بادر الى نقده وأعتبر"  أن فلسفته ليست سوى وعاء فارغ تمتزج القواعد المنطقية المتعارفة فيه بواسطة قصبة خاوية أيضا..."6 .
لو تأملنا قليل المثالية اليونانية عند  أفلاطون وأرسطو كمنطلق للفكر المثالي،والذي سيكتمل مع كانط في الفترة الحديثة، سنجد على أنها تعتبر أن العقل البشري قادر على المعرفة كحقيقة مطلقة،( المعرفة تذكر والجهل نسيان) ، لكن المشكل هو أنها لم تفترض بشكل أو بأخر أن العقل البشري في ذاته لا يستطيع إدراك إلا ما هو ظاهر، إلا أن كانط كان السباق الى إثارتها في النقد الثلاثي. فتساءل: ما المعرفة ؟ هل لها حدود؟ ونعلم أن هذه الأسئلة فرضت نفسها بواسطة هيوم، الذي اعتبره كانط المنبه الرئيسي في فلسفته،  ( لا نستطيع هنا التفصيل في فلسفته) لكن باختصار يمكن الإشارة الى فكر هيوم: 
- بعض الأفكار الأساسية التي نعتمد عليها في معرفتنا للأشياء تقف على أمور مثل السببية، الجوهر، الهوية ... لكن أبرزها في فلسفته تتجلى في فكرة السببية.( أنظر التفصل في  مفهوم السببية عند هيغل في المنطق الصغير والكبير). 
- مصدر معرفتنا واحد فقط هو التجربة  Expérience،  أي الخبرة التي تأتي عن طريق الحواس.
لقد أقلقت كانط هي الملاحظات الهيومية، فأخذ على عاتقه الرد عليها. إذ يري كانط :" على أن مصدر المعرفة عنصرين : الفكر والإحساس. في حالة الإحساس يكون الإنسان سلبي ، لأن ما يصل إلينا مادة خام في صورة إحساسات من مصدر خارجي، وفي الحالة الأولى،أي الفكر يكون الإنسان  ايجابي لأن الفكر عملية تلقائية للعقل، إذ تحول الإحساس المادي الى معرفة، وهذا في نظر كانط مسلم بيه منذ عصر أفلاطون ..."7 وهذا دون أن ندخل في معاني الفكر والإحساس والزمان والمكان الذي فصل فيهما كانط.  
انطلاقا من هذين المفهومين (الفكر والإحساس ) سيقع المشكل بين هيغل وكانط،والمتمثل في كون المنطق النقدي الذي انطلق منه كانط يفترض مسبقا كمعطى خارجي خاصة قضية الشيء في ذاته ، الأمر الذي جعل هيغل ينتقده لأنه اعتمد على الأحاسيس المفترضة بوصفها الوسيلة الوحيدة للدخول الى الواقع*.على اعتبار أن كانط يميز بين الذهن والعالم، لكن هيغل جمعهما في واحد او المطلق.يقول هيغل :"  ليست هناك حجة خارجة عن نطاق العقل، لذا لا يمكن إثبات أي أمر خارج نطاقه "8. 
يري هيغل أن الفلسفة لا بد لها أن تنطلق من فكرة الموضوعية ، وهذه الأخيرة يجب أن تعبر عن نفي النقيض" الهوية المطلقة" التي هي الحقيقة الأصلية ، فلو افترضنا أن التميز بين العالم والعقل، بين الذات والموضوع كمعطى فلسفي، فهذا لا يعني أن العالم الحقيقي الواقعي الموجود خارج الذهن، بل العالم والذهن او العقل شيء واحد هو المطلق. لهذا  فالمأخذ الذي يأخذه هيغل على كانط هو انه أعطى الامتياز لوحدة التأمل (الأنا)  وانه مازال متشبث بالتقابلات ( ذات/موضوع، العقل  /العالم ...) إن هيغل ينظر الى الفلسفة باعتبارها فكرة موضوعية مطلقة، بمعنى النفي المطلق لهذه الثنائية، ليس هناك استقلال احدهم عن الأخر، وقد عبر عنها في نسقه بالفكرة المطلقة او الشاملة.
على هذا النحو يمكن أن نخلص  أن هيغل ينظر الى تاريخ الفلسفة  ويرتبط به، فهو يعتقد أن التاريخ الكلي للعالم ليس صدفة، بل إن الفكرة أو العقل تتحكم في مساره، وأن التاريخ هو التجلي الذاتي للفكرة في الزمان.كما لا يسعونا إلا أن نقول أن تركيز فلسفته في هذا الحيز الضيق ، لابد أن يتضمن قدرا من الإجحاف في حقه، ونحن على إدراك ذلك. 


1) ولترستيس ، فلسفة هيغل، المجلد1 ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام ،دار التنوير، ص 15
2 )دراسات هيغلية ،إمام عبد الفتاح إمام،  القاهرة ، دار الثقافة ص 33
3)مفهوم السلب عند هيغل، تأليف يوسف سلامة، دار المجلس الأعلى لثقافة 2001 ص 47- 48
4 )ولترستيس ، فلسفة هيغل، المجلد1 ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام ،دار التنوير، ص 44)  
5) المرجع نفسه،  ص 44 - 45)
6) هيغل ، دراسة نقدية لنظامه الفلسفي ، تأليف مجموعة من الباحثين، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ص 225
7)ولترستيس، فلسفة هيغل ،ص 47،
*)الواقع عند هيغل غير منفصل عن العقل أو الروح،بل هما شيء واحد ما هو عقلي واقعي . بينما كانط يحاول الفصل بينهما الظاهر / الباطن، النومين / الفينومين....
8)  هيغل ، دراسة نقدية لنظامه الفلسفي ، تأليف مجموعة من الباحثين، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ص 226