إلى الإمبراطور كوفيد التاسع عشر: خفف الوطء فأنت في حضرة يتيمة المدائن 

ـ نورالدين الطويليع


وأنت تزور يتيمة المدائن بعد أربعة أشهر ونيف من أول زيارة لك لمملكتنا السعيدة، لا تنس أنك سرت على نهج حكومتنا وأعضاء حكومتنا المبجلين حين يطوفون ربوع البلاد، ولا يفكرون في زيارة المدينة اليتيمة إلا لحملة انتخابية أو حضور استعراضي فارغ من كل مضمون، لا أدري هل أصبحت عضوا في الحكومة، أم أن الأمر مجرد صدفة، لكن، وفي كل الأحوال والظروف فهؤلاء قد مروا من هنا دون أن يظهر أثر لمرورهم جميعا، ودون أن يخلفوا بؤرا تنموية تزيل عن المدينة صفة اليتم والضياع، فَلْتَسِرْ على منوالهم، ولتكن زيارتك خفيفة خاطفة، كما زياراتهم، فلا تطل المكوث، ولا تكثر الحصيلة.

أيها الإمبراطور المبجل، عَجِّلْ بالرحيل من أرض اليتيمة،  وإن لم تفعل سنسحب منك صفة الإمبراطور، لأن ما تدل عليه هذه الصفة من عظمة وسمو وجلال قدر لا يلتقي مع واقع يتيم في مدينة اليتم والضياع، فكيف تسول لك نفسك الإمبراطورية أن تضعها في هذا المكان المقفر المشبع بكل روائح الموت والحرمان والهامشية المطلقة، لقد علمتنا الحكمة المدرسية أن الشخصية امتداد للمكان، وأن الأسياد لا يسكنون الكهوف، كما أن الفقراء لا يقيمون في القصور، فلكل مقامه الذي تحدده له "الاستعارة المكانية"، فعجل بالرحيل, قبل أن تنكشف حقيقتك بصفتك منتحل صفة, وإن لازمت الإقامة بالمدينة اليتيمة, وأثبت فعلا أنك كذلك, فعلى الأقل خفف الوطء, ولا تكن وضيعا تستأسد على ضعفاء نخرهم التلوث وأتى على مناعتهم، وأكلهم التوتر وهم يشاهدون مدينتهم تحتضر، ويرون مشاريع مُنُّوا بها يوما، تطير من بين أيديهم لتستقر في أرض أبناؤها من الحاضرين الناظرين الدائمي العضوية في عرس التنمية غير المتكافئة، ومشاريع أخرى دُفنت أن ترى النور.

أيها الإمبراطور الكوفيدي ليكن في قلبك شيء من الرحمة، فلا تزد طينة اليتيمة بلة، ولا تكن مصيبة نوعية أخرى تنضاف إلى مصائبها العظام، فيكفيها ما هي فيه من يتم ونسيان، لا تكن كمن يسحل الميت بعد موته، وليكن فيك شيء من أخلاق أجدادنا الجاهليين التي عدمناها في كثير من إخوتنا المعاصرين الذين لم يحجزهم عن يتم مدينتهم أن يتاجروا بأحلامها، وأن ينهبوا خيراتها، وأن يحرموها من حقها المشروع في تنمية يفرضها الانتماء للوطن إسوة بباقي المدن، لا تكن مثلهم، فتجهز على جريحة تنزف دما، وكن جاهليا، واسْمُ بنفسك عن اقتراف جريمة قتل مُحْتَضِرٍ.

أيها الإمبراطور الكوفيدي المبجل، ارحل الآن قبل الغد، واترك اليتيمة تحتضر في صمت، نرجوك اتركها تنصت لنضبها الخافت، ولا تكن كذئب يوسف، تحمل وزرا ربما ليس لك دخل فيه إلا دخل الدقيقة التسعين.