إيمان العجائز والإيمان بالوطن 

ـ نورالدين الطويليع

ـ نورالدين الطويليع


 قيل لامرأة عجوز إن الإمام فخر الدين  الرازي يملك ألف دليل ودليل على وجود الله، فردت قائلة: "لو لم يكن عنده ألف شك لما جمع ألف دليل"، وعندما وصل الخبر إلى الرازي قال: "اللهمَّ إيماناً كإيمان العجائز".

     يتميز إيمان العجائز بالبساطة والصدق، فإيمانهن، ودون استعراضية، لا يتسرب إليه الشك، قد تجيبك إحداهن ببداهة عن أمر ربما جمعت من الأدلة العقلية والنقلية ما أشقاك وأتعبك، وتخبرك بأن فطرتها سبقت علمك، وهذا ما فطن إليه الفخر الرازي، فأعلن انهزام "إيمانه" أمام إيمانهن، وجعل يدعو الله أن يمن عليه بما مَنَّ عليهن.

   في وطنني العزيز تجاوزنا إيمان العجائز، وأقمنا ألف دليل ودليل على حب الوطن دون أن يؤهلنا أي واحد منها لنكون من أصفيائه ومُنْتجَبِيه، بقدر ما صنع منا نسخة بواجهتين متناقضتين: واجهة القول المحصنة بكل فنون الكلام الجميل الذي لا يأتيه باطل الخيانة من بين يديه ولا من خلفه، وواجهة الممارسة الكافرة بكل المفردات والتعابير التي نُشَيِّدُ بها بِناءَ الوطن في خرجاتنا واجتماعاتنا ومؤتمراتنا ولقاءاتنا السياسية، مما يجعلنا مقصودين مباشرة بقول الشاعر العراقي معروف الرصافي:

لا يَخدعَنكَ هُتاف القومِ بالوَطَنِ..... فالقومُ في السرِّ غير القومِ في العَلَن

    في وطني تأسس ألف وألف مجلس ولجنة وهيأة لمحاربة الفاسدين المفسدين الكافرين بالوطن، دون أن تفلح هذه التنظيمات، رغم ما جمعته من ألف دليل ودليل على فسادهم المبين، في اجتثاثهم، أو على الأقل في الحد من كفرهم البواح، وفي لجم أفواههم المفتوحة عن الآخر لالتهام عشب الوطن، وترك أرضه قيعان.

    في وطني سمعنا كثيرا عن تقارير نارية كتبت بمداد الحب الوطني، وحدثونا أكثر عن قرب تحول المداد إلى ديناميت، ودُنُوِّ أَجَلِ انفجاره الوشيك في وجوه خائني الوطن المضيعين لأمانة حفظه وصونه التي أقسموا بأغلظ الأيمان على صونها، قبل أن يتركوا إيمانهم وأيمانهم وراء ظهورهم في أول فرصة أتيحت لهم ليمارسوا السرقة الموصوفة في حق الوطن الجريح، ويقولوا للتقارير التي تدينهم: اذهبي إلى الأرشيف لتنامي قريرة العين نوم أهل الكهف.

   في وطني  نُمَنِّي النفس أن يكون إيماننا، حاكمين ومحكومين، إيمان العجائز، تعبنا من البروتوكولات والمساطر والإجراءات والخرجات العنترية التي تتغنى بحب الوطن، نريد إيمانا عفويا صادقا، قد لا يسعفنا في نظم القصائد الغنائية الجميلة المسبحة بحمد الوطن، المبجلة له قولا، ولكنه سيكون صمام الأمان لبناء وطنٍ غيرِ ذاك الذي ناداه مظفر النواب يوما قائلا:

يا وطني، وكأنك غربة

وكأنك تبحث في قلبي عن

وطن أنت ليؤويك

نحن الاثنان بلا وطن يا وطني

      بمعنى آخر نريد إيمانا عجائزيا نسترجع فيه وطننا الذي يحتله العقوق والخيانة، وأن نسعد بضمه إلى قلوبنا، وباحتوائه الأبوي لنا، لنعيش معا في برج الوطنية الصادقة السامقة الراقية.