التربية على الاختيار

تعتبر التربية على الاختيار خيارا استراتيجيا في المنظومة التربوية التعليمية ، إذ تعد ثاني مدخل من المداخل الناظمة للمنهاج التربوي وهي بذلك تشكل شرطا ملازما ومكملا للتربية على القيم باعتبارهما معا عنصرين أساسيين لبناء الشخصية المتوازنة المستقلة والمبادرة.

إلا أن التربية على الاختيار كأساس استراتيجي لا تتضح معالمها إلا من خلال أجرأة عملية لمضمونها النظري في ميدانها التطبيقي المتمثل في المدرسة المغربية.

 وهذا ما سنتطرق إليه في المنشور  هذه من خلال النقط التالية:

1. الاختيار من العادة إلى الفعل الواعي

2. التنوع كدعامة للاختيار الواعي

3. أهم البيداغوجيات الداعمة للتربية على الاختيار

أ‌- بيداغوجيا المشروع كأداة لترسيخ الخيار الواعي والمسؤول:

ب‌- بيداغوجيا التعاقد وتنمية الوعي بالمسؤولية والالتزام:

♨️التربية على الاختيار من العادة إلى الفعل الواعي:

يشير مفهوم الاختيار لغة إلى تفضيل شئ على مجموعة أشياء أما في الاصطلاح التربوي فهي اكتساب القدرة على التمييز والتصنيف والمفاضلة الواعية بين مجموعة خيارات سواء في المحيط المدرسي أو المحيط الاجتماعي وهي بذلك تستلزم مجموعة مواصفات كالاستقلالية و الوعي بالذات والإحساس بالمسؤولية .

يتضح من خلال التعريفين السابقين أن الاختيار كفعل ليس مجردا في حد ذاته إنه بمعنى آخر ليس اختيارا من أجل الاختيار ، إنه بالأساس فعل ممارس على مضمون يفترض فيه أن يكون متنوعا ومتباينا.وهذا ما يعبر عنه الخبير النفسي دانييل مارسيللي قائلا: إن الاختيار ليس فعلا من أجل ذاته إنه بالأساس معرفة واعية بمختلف الإمكانات المحتملة والممكنة من جهة ووعي بالذات ورغباتها وتفضيلاتها من جهة ثانية

إن هذه المقولة تحيلنا على سؤال إشكالي : ما الذي يختاره الطفل عادة غير ما اعتاد عليه؟ أو بمعنى أصح ما الذي يؤهل الطفل إلى اختيار واع إن كان بالأساس لا يملك نظرة شاملة على الإمكانات؟

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الطفل قادر في مختلف مراحله العمرية على الاختيار فهو من سن الثانية قادر على تفضيل طعام عن آخر، وما بين الخامسة والسادسة من عمره قادر على تفضيل لون أو لباس دون آخر، و يكتسب قدرة المفاضلة بين الأنشطة ذات الطابع الاجتماعي ابتداء من السنة الثامنة . إلا أن الطفل بطبيعته المحافظة نوعا ما يميل إلى اختيار ما اعتاد عليه ، فالطفل الذي اعتاد على ايقاع تعلمات محددة مسبقا لا يملك سوى أن يختار التعلمات التي تعود عليها، إنه بمعنى آخر لا يملك آفاقا أخرى غير ما تعود عليه. إنه يأتي للمدرسة عن عادة لا عن خيار، ويجيب طبقا لما تعلمه لا لما يعرفه. إن هذا الواقع يحيلنا إلى ضرورة نقل الطفل من اختيار ما اعتاد عليه إلى اختيار ما يريده كذات مستقلة واعية باختياراتها وهو ما يعني نقل الطفل من الاختيار بالعادة إلى الاختيار الواعي والمسؤول.

♨️التنوع كدعامة للاختيار الواعي :

إن الاختيار الواعي كسلوك يستلزم بالضرورة وجود خيارات متعددة ومتنوعة، ومن هذا المنطلق فإن التربية على الاختيار كخيار بيداغوجي تستلزم بالضرورة نهج التنوع كمقاربة ديداكتيكية على عدة مستويات:

🛶 على مستوى المناولة الديدادكتيكية:

بحيث يتيح تنوع الطرائق ومصادر المعلومات للطفل فرصة تفضيله لطريقة دون أخرى أو مصدر معلومة دون آخر،  وكأمثلة لذلك:

💧يمكن تقديم درس القراءة من خلال أسندة متنوعة ومختلفة: قراءة نص وظيفي، قراءة قصة، قراءة رسوم مصورة.

💧 يمكن تقديم درس من دروس التاريخ من خلال شريط سمعي بصري، من خلال حكاية، من خلال قصاصات جرائد.

🛶 على مستوى تدبير فضاء القسم:

بتنويع الأركان التربوية و إتاحة الفرصة للمتعلمين للاستئناس بها إجمالا ، ثم ترك حرية الاختيار لهم للمشاركة فيها في مرحلة لا حقة.

🛶 على مستوى فضاءات التعلم:

إن الشائع هو الاقتصار على حجرة الدرس كفضاء للتعلم وهو ما يكرس نوعا من الاستلاب لدى المتعلم يجعله مرتبطا ارتباطا شرطيا بحجرة الدرس كمكان للتعلم، ويجعل التعلم في ذهنه فعلا مفروضا لا خيارا واعيا وهو ما يتناقض مع مبدأ تنمية التعلم الذاتي و تكوين المتعلم القادر على التعلم وتعلم التعلم. لذلك فإن تنويع فضاءات التعلم في إطار الشراكات مع فعاليات المجتمع المدني من شأنه فتح مدارك الطفل وآفاقه وبالتالي ترسيخ وعيه بذاته وتفضيلاته.

🛶على مستوى الأنشطة الموازية:

إن تنويع الأنشطة الموازية من شأنه تنمية قدرات الطفل على التموقع بالنسبة للخيارات المطروحة أمامه وبالتالي قدرته على التصنيف والتمييز والمفاضلة وفقا لما يريده.

#يتبع

.

عبد المنعم أمطوش