تحليل قضية أدبية:"المنهج البنيوي" لصلاح فضل (الكتاب المدرسي، واحة اللغة العربية،ص: 238-241)

تحليل قضية أدبية:"المنهج البنيوي" لصلاح فضل (الكتاب المدرسي، واحة اللغة العربية،ص: 238-241)


تقديم:

إذا كان المنهج الاجتماعي في دراسته للنصوص الأدبية، يعتمد في تفسيرها على الواقع الاجتماعي الذي أنتجها، ويعتبر الأدب مرآة تعكس الواقع وعلى الناقد أن يقف على صورة الواقع في الأدب، لذلك فهو منهج وظيفي يعتمد التأويل والشرح والتفسير لدراسة النصوص الأدبية. فإن المنهج البنيوي يعتبر النصوص الأدبية متوالية من الجمل يجب أن تدرس صوتيا ومعجميا وصرفيا وتركيبيا أو نصيا، ويقفون عند نتائج الدراسة اللغوية دون ربطها بالواقع؛ فهم يعتبرون النصوص بنية مغلقة على ذاتها يجب أن تدرس من داخلها، ولذلك فهم بحثوا في القوانين الداخلية التي تميز النصوص الأدبية عن غيرها، أي ما يجعل كلاما ما كلاما أدبيا. ويرجع الفضل في إيجاد هذا المنهج إلى العالم اللغوي السويسري فرديناند دو سوسير، وإلى تلميذيه شارل بالي وألبرت سيشهاي اللذين جمعا محاضراته في كتاب بعنوان: "محاضرات في علم اللسان العام" فكان هذا الكتاب بداية النظر إلى اللغة نظرة جديدة تقوم على دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها. وكذلك إلى الشكلانيين الروس، وإلى حلقة براغ خاصة رائدهما رومان ياكبسون وكتابه: قضايا اللغة الشعرية. هذا وقد اشتغل على المنهج البنيوي طائفة من النقاد العرب نذكر منهم: كمال أبوديب، ومحمد مفتاح، وصلاح فضل صاحب هذا النص المقتطف من كتاب: "مناهج النقد المعاصر"، والذي يحمل عنوان: "المنهجالبنيوي" وهو مركب اسمي، ويحيل دلاليا إلى التعرف على خصائص المنهجالبنيوي وآليات اشتغاله. إذن ما هي قضية النص الأدبية؟ وما هي قضاياه الفرعية ومفاهيمه ومصطلحاته النقدية؟ وما العلاقات الرابطة بينها؟ وما هي مرجعية الناقد؟ وما هي طرائق عرضه للقضية ؟ هذا ما سنتعرف عليه في التحليل.

ـ تحديد القضية الأدبية والعناصر المكونة لها:

القضية الأدبية للنص هي: "خصائص المنهج البنيوي"

ـ أما القضايا الفرعية المكونة لها فتتحدد في:

1 ـ لم يظهر المنهج البنيوي فجأة وإنما كان وليد دراسات ومدارس متعددة في النصف الأول من القرن 20.

2 ـ حدد المنهج البنيوي موضوعه في لغة الأدب في ذاتها ولذاتها دون النظر إلى علاقتها بالواقع.

3 ـ الأديب يمكن أن يكون إيديولوجيا، لكن النقد لكي يكون علميا عليه أن يبتعد عن الإيديولوجيا والذاتية.

4 ـ لم تعد نظرية الأدب مع المنهج البنيوي نظرية في الحياة، وإنما نظرية في الأدب من المنظور اللغوي والفني والجمالي.

5 ـ استفادت البنيوية من الفلسفة الظاهراتية، التي لم تهتم بالجانب الغيبي الميتافيزيقي لدراسة الظواهر الكونية.

6 ـ الغطاء النظري الحقيقي للمنهج البنيوي هو اللغة، كما تبين ذلك المصطلحات النقدية.

7 ـ يعتبر مصطلح البنية المصطلح الرئيسي في المنهج البنيوي.

8 ـ تمثل الأعمال الأدبية بنية كلية، فالبنية الدلالية للقصيدة هي محصلة مجموع البنى الجزئية المتمثلة في: البنية الإيقاعية، والبنية التركيبية، والبنية التخييلية ….

9 ـ يتحدد هدف البنيوية في الوصول إلى محاولة فهم المستويات المتعددة للأعمال الأدبية، ودراسة العلاقات التي تربط أبنيتها، والعناصر المهيمنة فيها، وكيفية تولدها.

10 ـ يتحدد هدف البنيوية في الوصول إلى محاولة فهم المستويات المتعددة للأعمال الأدبية وكيفية أدائها لوظائفها الجمالية والشعرية.

11 ـ أطلق البنيون شعار "موت المؤلف" ليقطعوا الصلة بين الأدب والمجتمع والتيارات النفسية.

12 ـ الواقع بالنسبة للبنيويين هو النص الأدبي ذاته.

13 ـ اكتسح المنهج البنيوي والمصطلحات البنيوية منذ السبعينات جميع الحقول المعرفية.

14 ـ مثل التيار البنيوي في الثقافة العربية منطلقا أساسيا لتجديد الخطاب النقدي.

تحديد العلاقة بين القضايا:

1 ـ علاقة تكامل بين القضايا: (1و2و3).

2 ـ علاقة إيضاح بين القضية: (5) التي وضحت القضايا: (2و3و4).

3 ـ علاقة إيضاح بين القضية: (7) التي وضحتها القضايا: (8و9و10).

4 ـ علاقة تكامل بين القضايا: (2و11و12).

المفاهيم الأساسية في النص:

ـ ميتا لغوي: المقصود به أن اللغة تتحدث عن اللغة.

ـ علم الأدب: المقصود به القوانين الداخلية للغة التي تميز اللغة الأدبية عن اللغة العادية، وقد حصروها في "الأدبية" و"الشعرية".

ـ الظاهراتية: هي فلسفة رائدها هو "إدموند هوسرل" لا تهتم بالغيبيات والمتافيزيقا بل تهتم بالعلم، أي بالجوانب التي تدرك.

ـ البنية: أشهر تعريف متداول للبنية هو تعريف المفكر الفرنسي جان بياجيه، وهي عنده "نظام من التحولات تحكمها ثلاثة مبادئ أساسية: 

أـ مبدأ الكلية: تتكون البنية من عناصر تتحدد قيمتها في العلاقات المنظمة لتفاعلاتها.

 ب ـ مبدأ التحولات: البنية هي مجموع تحولات، فاللغة نظام يتضمن بنية تحولات تنتج عنها أشكال من التفاعل، تنقل النظام من السكونية إلى الحركية المولدة لأشكال لا نهائية. 

ج ـ مبدأ التنظيم الذاتي: تتضمن البنية قوانين تتحكم في تنظيم عناصرها، وأنها تنظم نفسها بنفسها.

ـ السمات العامة: نشأ المنهج البنيوي ردا على المنهج الاجتماعي والنفسي اللذان يقولان بتأويل النصوص الأدبية وتفسيرها من خلال ربطها بالواقع الاجتماعي الذي أنتجها، أو بنفسية المبدع الذي أبدعها، فيصبح البحث في الأدب بذلك بعيدا عن جمالية الأدب فيذوب الأدب في التاريخ أو في العقد النفسية التي يعاني منها الأديب. ويكون البحث ليس عن جمالية الأدب ولكن عن التاريخ ونفسية الأديب اللذين يعكسهما الأدب. ومن ثمة وجهت البنيوية نقدا إلى هذين المنهجين واعتبرتهما مبتعدين عن دراسة القوانين الداخلية للنصوص الأدبية، فحمل المنهج البنيوي على نفسه أن يحقق علمية الأدب وذلك بدراسة خصائصه الأسلوبية واللغوية والعلاقات بين مكوناته للوقوف على بنيته الأدبية، أي ما يجعل من نص ما نصا أدبيا.

ـ السمات الخاصة: ونعني بها ظروف النص الذي نحن بصدد تحليله. إن هذا النص يفسر منطلقات المنهج البنيوي ويوقف القارئ المبتدئ على آليات اشتغاله وطموحاته العلمية التي يسعى لتحقيقها من خلال إحلال موضوعية الناقد في تعامله مع مكونات النص الأدبي اللغوية مبتعدا عن التفسير الذي يوقع في الذاتية. كما تبين ذلك قضايا النص التي فصلت القول في مناحي الدراسةالبنيوية للنصوص الأدبية من خلال تحديدها لمصطلحات ومفاهيم المنهج البنيوي.

مرجعية الناقد:

رجع الناقد صلاح فضل لتحديد "خصائص المنهج البنيوي" إلى مراجع نذكر منها:

ـ كتاب دو سوسير: "محاضرات في علم اللسان العام" فهو دستور المنهجالبنيوي اللغوي.

ـ نصوص الشكلانيين الروس، فهم من بحث أولا في القوانين الداخلية للنصوص الأدبية.

ـ كتب أخرى تناولت النصوص الأدبية من زاوية بنيوية.

ـ طرائق عرض القضية الأدبية

ـ اعتمد الناقد مجموعة من المناهج في كتابته لهذا النص هي:

ـ منهج استنباطي: انطلق من العام إلى الخاص.

ـ منهج التعريف: عرف بالمصطلحات التي أوردها في النص.

ـ منهج المقارنة: قارن بين المنهج البنيوي والمنهج الاجتماعي والنفسي. وقارن كذلك بين لغة الأدب ولغة النقد.

ـ اعتمد الناقد في كتابة هذا النص أسلوبا تقريريا خاليا من المحسنات البديعية، والإيحاءات البيانية؛ لأنه في سياق التنظير للمنهج البنيوي مما يفرض عليه اعتماد لغة واضحة توصل فكرته دون تأويل إلى القارئ. وصاحب هذا الأسلوب حضور مؤكدات لغوية قصد إقناع القارئ بجدوى المنهج البنيوي وقيمته العلمية في دراسة النصوص الأدبية.

تركيب وتقويم:

تركيب: ظهر المنهج البنيوي في أوائل القرن19، هو جهاز مفاهيمي تشكل فيه البنية مفهوما أساسيا، وهو يسعى إلى اكتشاف أدبية الأدب من خلال القوانين الداخلية للغة من أجل الوقوف على جماليتها الفنية. ولا يعير انتباها للظروف الخارجية ولا للحالة النفسية للمبدع قائلا بمبدأ موت المؤلف. وتتجلى القضية النقدية للنص في: "خصائص المنهج البنيوي" وارتبطت بها مجموعة من المفاهيم والقضايا بواسطة علاقات حددناها في: التكامل والإيضاح، كما وقفنا عند سمات المنهج كما حضرت في النص. ورجع الناقد لتعريفنا بخصائص المنهجالبنيوي" إلى مجموعة من الأعمال من بينها: "محاضرات غي علم اللسان العام" لدوسوسير، وأعمال أخرى للمدارس اللسانية كالشكلانيين الروس، وحلقة براغ … ليعرفنا بالطرق التي يدرس بها البنيويون اللغة الأدبية. واعتمد منهجا يجمع الاستنباط، والمقارنة. كما اعتمد أسلوبا تقريريا بسيطا مصحوبا بأدوات التأكيد لإقناع القارئ