U3F1ZWV6ZTYzNzEzODE3MjRfQWN0aXZhdGlvbjcyMTc4OTY3NTMz
recent
أخبار ساخنة

الجزء 1 من قصة حول الأم

الجزء 1 من قصة حول الأم


الاسم : عمر بوهاني  
المهنة : أستاذ     - البلد : تونس 
الجزء 1 من قصتي  هدية مني لجريدة الأستاذ 

اجهل سبب عجزنا عن نسيان بعض المواقف التي تعرض لنا في صغرنا ، ورسوخ بعض المشاهد في ذاكرتنا و ترفض مغادرتها مهما تغيرت صروف الدهر و مهما اختلفت أحوالنا ، ويستعـصي فهم حضور البعض منها بكثافة وغياب البعض الآخر و يعسر التكهن بموعد حضورها ، فقد عجزت عن دفع هذا المشهد بعيدا عن ذاكرتي فيقفز أمامي بلا مقدمات ، أحيانا حين أقود وأحيانا في
القسم ، و أحيانا حين انغمس في بعض الأشغال فيتجلى واضحا بكل تفاصيله و كأني في عرض ثلاثي الأبعاد ، تتجمع الصور وتتكتل ثم تلتحم ويرتفع جدار مطلي بالطين تمردت عليه جذوع أشجار و دونه جلست عجوز شديدة النحافة لفت رأسها الصغير بمنديل و ضاق جبينها حتى غابت حدوده و تآكل حاجباها وعيون غائرة عجيبة البريق تلهيك عن أنفها المخروط و لحيتها المثلثة أراها قد انغمست في تنقية جفـــنة قمح فتغمس يدها الرقيقة في جوفها و تقلب الحبات و تلتقط ذرّات الحصى و ما شابه من العالقات بالقمح ومن حين لآخر ترفع رأسها تراقبني و أنا أجري يمنة ويسرة ثم أصعد قمة شجرة عرعر مسنّة لأطل منها على القرية ومن حين لآخر أسمعها تنادي ( وين مشيت يا عمر ) فأطل عليها من بعيد وارقص لها رقصة مضطربة فتهز رأسها مشجّعة اياي ثم تعود الى ما كانت فيه وقد عدلت عقلها على اتجاهات حركتي و مواقيت تفقدي ، وقضيت نصف عمري أحاول فك لغز تلك الدمعة الرقراقة عندما أسألها : ( لم نسكن معزولين عن القرية ، لماذا نسكن في هذا الجبل ؟)فتجيبني ( كيف – كيف وهنا أفضل ) فأصمت ويبقى شيئ في نفسي وأجيل بصري فأذا بالبيت واقع في فخذ الجبل وكأنه ولد من رحمه فحجارته منه و سقفه منه وسطحه مستند اليه و الماعز لا تميز بينه وبين بقية فضاء الجبل فتتخذه ساحة مبارزة و لا تكف الا بعد أن تخرقه أقدامها ، والقي بصري بعيدا فارى في الناحية الأخرى بيوتا كتلة من البيوت المقببة البيضاء فأرتد الى جدتي أسألها ( أمي ، أمي ، لم يختلف مسكننا عن مسكن هؤلاء ؟) فتمسح دمعها بكم ملاءتها الحمراء و تجيب ( كيف – كيف ) ، و تمر الأيام و يتكرر نفس المشهد متماثلا ، سألتها و هي تحمل القربة على ظهرها و تلهث عند صعود الجبل الى البيت فترقرق دمعها و سألتها وهي تحمل حزمة الحطب وقد تقرحت يداها و دميت أقدامها وجرحت الأشواك قصبتيها فتنسى ما فوقها و يترقرق دمعها ( كيف كيف ) و اذا سألتها عند النوم سوّفت واستمهلتني للصباح و تمسح على رأسي حتى يداهمني النوم وقبل أوانه تسقط قطرات باردة على صفحة وجهي .... حتى انفجرت في يوم من الأيام وقالت ( يا ليتـــني ما أرضعتك و تركتك تموت ) ، هزت هذه الجملة كياني و دكّــتني من الأعماق و سمعت طنينا في أسماعي وتراقص كل ما حولي و جريت نحو شجرة صنوبر بيني وبينها مودة والفة مبهمة .............يتبع
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

السلام عليكم و مرحبا بكم يمكنكم التعليق على أي موضوع ،شرط احترام قوانين النشر بعدم نشر روابط خارجية سبام أو كلمات مخلة بالآداب أو صور مخلة.غير ذلك نرحب بتفاعلكم مع مواضيعنا لإثراء الحقل التربوي و شكرا لكم.

الاسمبريد إلكترونيرسالة