التكوين المهني أم أزمة منظومة تعليمية؟

هشام أجانا من مدينة انزكان

بقلم : هشام أجانا من مدينة انزكان

تصرف الدولة ومعها الأسر المغربية أكثر من 100 مليار درهم سنويا في قطاع التربية والتكوين سواء تعلق الأمر بأجور العاملين بالقطاعين العام والخاص أو البنيات التحتية أو الدروس الخصوصية أو بمؤسسات تعلم اللغات. فهل من المنطقي إهدار هذه الأموال الطائلة سنويا من اجل إلحاق نسبة مهمة من التلاميذ للتكوين المهني (الحدادة - النجارة - الكابلاج - الطبخ - الطرز والخياطة وغيرها من الحرف) ؟ هل الاعتماد على التكوين المهني كمخرج لأزمة التشغيل يحتاج إلى صرف عشرات الملايير من الدراهم سنويا في تعليم فلذات أكبادنا؟ هل يعقل أن يدرس التلميذ المغربي الرياضيات والفيزياء والكمياء وعلوم الحياة والأرض وعلوم المهندس والاعلاميات والفلسفة واللغات الحية وغيرها من المواد ويكون هدفه الأسمى التكوين المهني؟


قد يقول البعض، يا سيدي التكوين المهني هو جيد بالنسبة للتلاميذ المتوسطين دراسيا كما أن مستوى التلاميذ ضعيف رغم المعدلات الصاروخية التي يحصلون عليها في معدلات البكالوريا. هنا يطرح سؤال حارق حول واقع منظومتنا التعليمية والتربوية :
من يتحمل هذه المهزلة؟ أليست السياسة التعليمية الفاشلة المعتمدة هي التي أدت إلى هذه الكوارث التربوية التي يؤدي ثمنها وطننا غاليا :
شلل في المناهج - ضخامة في المقررات الدراسية - الاكتظاظ - هزالة أجور العاملين بالقطاع - بنيات تحتية أكل عليها الدهر وشرب - سيطرة الكم على الكيف - طغيان الجانب الأمني في التعامل مع السياسة التعليمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالتقويم والامتحانات - عدم اعتماد التكنولوجيا TICE في التدريس - تكوينات عليا أكل عليها الدهر وشرب - ....إلخ.

لنفترض جدلا أن التلاميذ المتوسطين دراسيا يجب توجيههم إلى التكوين المهني. لماذا لا يتم التطرق إلى التلاميذ الذين يحصلون على ميزات حسن وحسن جدا رغم أنهم يمثلون الفئة النيرة التي يمكن أن تعطي الكثير لو تم منحها تكوينا عاليا جيدا وراتبا محترما للانخراط في الحياة العملية؟ ماذا أعددنا لهم حتى لا يصبحوا هم الآخرون ضحايا المنظومة التي تعيش الاحتضار المقصود؟ لماذا يهاجر حوالي 8000 إطار سنويا نحو الخارج رغم الميزانيات الضخمة التي رصدت من أجل تكوينهم (أطباء - مهندسون - جامعيون - أطر الاقتصاد والتجارة- ...)؟
لقد سبق للفيلسوف الثوري الإيطالي أنطونيو غرامشي في مذكراته السجنية الإجابة عن هاته الأسئلة قائلا :
" إن هنالك نوعين من التعليم، تعليم عضوي وتعليم تقني. الطبقة البرجوازية المتحكمة لكي تضمن استدامة موقعها المتحكم تشجع أبناءها على التعليم العضوي حيث العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستورث أبناءهم علوم الإنسان وبروتوكولات البرجوازية. وستجد هذه الطبقة تفتح الباب على مصراعيه لأبناء الطبقة الكادحة أمام التعليم التقني الذي سيؤهلهم ليكونوا عبيدا أكفاء في مصانع الرأسماليين وشركاتهم."