"التعليم عن بعد" دواء ضر من حيث أراد النفع (2)


كتبه: مفتاح صيلاني
أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي

بسم الله الرحمن الرحيم؛ كاشف الضُرّ بعد القنوط، ورافع الناس بعد السقوط، وجالب السلوى لكل مصاب، وصارف المحن والعذاب؛ الذي نسأله تفريج هذه الكربة، وحفظ الأمة، واستبقاء العافية.. وبعد؛
فقد ذكرت في مقال أول سابق* أثرين سلبيين اثنين "للتعليم عن بعد"، الذي اعتمدته الوزارة كبديل مؤقت بعد توقيف الدراسة ابتداء من 16 مارس الماضي – يتمثلان في:

أولا: إدمان جزء كبير من التلاميذ على الأنترنت وتضييع أوقاتهم أكثر مما كانوا عليه من قبل، حيث سيصير من حقهم وبمقدورهم استعمال الهاتف أو الحاسوب أو اللوح الرقمي بكل حرية ولأطول وقت بحجة التعلم عن بعد، في حين يوظفون تلك الأدوات لكل شيء إلا التعلم.
ثانيا: الانعكاسات السلبية على المستوى الصحي: بدنيا ونفسيا لاستعمال تلك الأدوات مدة طويلة وبشكل مكثف.
وقد كنت افترضت حينها أن كل المتعلمين يتوفرون على ما يلزم "للتعلم عن بعد"، من حاسوب وربط بالأنترنت... وهو أمر غير حاصل. ومنه فإن هذه التجربة سيترتب عنها سلبيات أخرى، سأضيف واحدة منها، والتي يمكن عنونتها كما يلي:
"تعميق التعليم عن بعد محنة الأسر ماديا ونفسيا"؛ فأقول، وبالله التوفيق:
لا يخفى على متابع الأوضاع العامة، منذ ابتلينا بهذا الوباء، حالُ عدد كبير من الأسر المادي المالي والنفسي، حيث تعين على معيلهم التوقف عن العمل، ومنه فقد مصادر الرزق القليل الذي كان يأتيهم، لتتعقد حياتهم أكثر مما كانت عليه، ويصير همّ معيلهم عند وضع رأسه على الوسادة ليلا الجوابُ عن سلسلة من الأسئلة الصعبة:
- من أين آتي لأطفالي بقوت الغد؟!
- من أين لي بثمن كراء البيت (أو الغرفة)؟ !
- من أين لي بثمن الماء والكهرباء؟!
- هل إلى ثمن دواء (طفلي أو طفلتي أو زوجتي أو زوجي) من سبيل؟!
- كيف، هل، من أين...؟ !
أسئلة بعضها على بعض، أسئلة كالجبال الراسخات على العقل والقلب، يوشكان معها على التحطم.
وتأتي وزارة التربية الوطنية - التي لا زلنا نحاول إحسان الظن بمبادرتها كما فعلنا في المقال السابق – لتضيف سؤالا آخر إلى قائمة تلك الأسر المغلوبة على أمرها:
- من أين آتي بلوح رقمي لابني (أو أبنائي) وربط أنترنت حتى يتمكن من متابعة دراسته عن بعد؟!
وسواء كان ذلك الابن مُجدا في دراسته أم لا، فإن هذا السؤال عظيم جدا جدا، يقرع العقل والروح قرعا شديدا، وتليه أسئلة فرعية متلاحقة، والأسرة تسمع بأن "الدروس عن بعد" تسير بشكل جيد على يد الأساتذة! وبأن التلاميذ يتابعونها بشكل جيد..! يسمع الأب هذا على لسان مسؤول مرموق، أو أب آخر في الحي، أو في وسائل الإعلام عامة.. أو من ابنه غير المحظوظ؛ فيألمه ذلك ويعظم في نفسه، ويرى بأنه سيكون سببا في رسوب فلذة كبده، خصوصا إذا كان تلميذا نجيبا؛ وتنقض عليه الأخبار من كل جانب، فلا يميز المسكينُ المنطقيَ والمعقول فيها من غيره؛ فلا يرتاح حتى يوفر لابنه ما يلزم.
ولكن كيف فعل ذلك؟
من يعرف أيها القارئ الكريم كيف فعل؟ ومن هذا الذي كلف نفسه ليعرف؟ الوزارة الوصية على القطاع؟ الأستاذ الذي انخرط في صمت في هذه التجربة، أو قل جُرّ إليها جرا؟ ..
لحظة لحظة.. "فليسبح ذلك الأب في بحره" فذلك شأنه، لا يهمنا أن يقاسي ماديا أو نفسيا.. أتسمعين أيتها الأسر الفقيرة؟ الأساتذة يملؤون الأنترنت بالدروس المصورة مشكورين، وعليك أنت أن توفري ما يلزم لأبنائك. هذا واجبكما أيها الأب وأيتها الأم؛ وواجبكما كذلك مساعدتهم في الدراسة، ولا حجة لكما لأنكم جميعا في حجر صحي والوقت متوفر.. ماذا؟ تقولان أنكما أميان لا تعرفان كيف تفعلان؟ وما شأني أنا؟ أنا فعلت ما علي، وعليكما أن تفعلا ما عليكما.. تقولون أنكم فقراء، لا تملك.. ما تط.... ...فالكم بعدما اشتريتم اللو.. الرقمي؟ عفوا.. لا أسمعكم جيدا..
أجل، من يسمع في هذا الظرف للأسر البسيطة وهم عاكفون في منازلهم خائفين؟ من يسمع لهم الآن ويحس بهم إذا كان لم يُسمع لهم ويُحس بهم قبل هذا وهم خارجون يروحون ويجيئون بيننا؟
قد يقول قائل: أنت تبالغ كثيرا في هذا التصوير والتمثيل!
أقول له: ربما ترى ذلك لأنك تدرس في المؤسسة الفلانية التي يدرس فيها تلاميذ مجموع المصروف اليومي لأحدهم يفوق راتبي الشهري؛ أما أنا وغيري كثير، فنعمل في مؤسسات ينحدر تلامذتها من أوساط بسيطة جدا، بل فقيرة أحيانا، بل معوزة.. إذا حمل أحدهم معه مالا فهو مقدار شراء بسكويت يكفكف به جوعه، أملهم كبير في المؤسسة وفي أساتذتهم الذين يقومون أمامهم في أقسام حقيقية، وليس في أقسام افتراضية، يسمعون عنها، فيحاولون تخيلها مستعينين بما شاهدوه في فلم ما أو برنامج تلفزيوني.
وهذا أمر آخر، سأجعله موضوعا لمقال قادم إن شاء الله، كنقطة سلبية رابعة، وهي: "مساهمة المدرس في تكريس اللامساواة بين المتعلمين، وأيضا بينهم".
إلى ذلك الحين، سأبقى مرة أخرى أجاهد نفسي أحاول إقناعها فأقول: صحيح أن هذه التجربة قد أضرت بأبنائنا لكن، لعل فيها خيرا لم أستوعبه بعد. ربما!
يتبع.. إن شاء الله

انظر المقالين التاليين من هنا: