"التعليم عن بعد" دواء ضر من حيث أراد النفع (3)

كتبه: مفتاح صيلاني  أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي

كتبه: مفتاح صيلاني
أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي
بسم الله الشافي المعافي؛ وبعد؛
فقد يظن ظان - ممن قرأ المقالين السابقين أو غيرهما مما كتبت هنا أو هناك منتقدا تجربة "التعليم عن بعد" – أن من كتب ذلك النقد مدرس تقليدي لا يفقه شيئا في التكنولوجيا، وقد وجد نفسه في ورطة يضرب أخماسا في أسداس لما تم اعتماد "التعليم عن بعد" باستعمال وسائل التكنولوجيا، فهو يختبئ وراء نقده. أقول له:

أولا: إن كاتب ذلك النقد وهذا، يستعمل الحاسوب منذ سنة 1995م، أي منذ 25 سنة، لما كان في السنة الأولى ثانوي (تأهيلي)؛ ويمكنك أن تتصور ما يتقنه من أدوات وتطبيقات متعلقة به، سواء كانت أو ستأتي.
ثانيا: كل هذا لا يهم، وإنما "انظر إلى كلامي ولا تنظر إلى فعلي، فإن نفعك كلامي فلا يضرك تقصيري".
وبعد؛
فقد تطرقت في المقالين السابقين إلى ثلاثة أمور سلبية شابت "التعليم عن بعد"، أو كان هو سببا فيها، وهي باختصار شديد:
1.   مساهمته في إخراج التلاميذ عن المسار السليم للتعلم وتضييعهم للوقت أكثر، بسبب الإدمان على الأنترنت عوض التعلم.
2.   الضرر الصحي البدني والنفسي الذي يلحق مستعملي أدوات التكنولوجيا والأنترنت من المراهقين خصوصا.
3.   تعميق محنة الأسر الفقيرة ماديا ونفسا، خوفا من ضياع مستقبل أبنائها، مما يدفعها إلى التضحية أكثر في سبيل توفير ما يلزم لهم.
وقد أشرت في نهاية المقال الثاني، إلى أنني سأناقش نقطة معينة في هذا المقال الثالث، ثم رأيت أن أرجئ الحديث فيها، وتعويضها بنقطة أخرى يمكن عنونتها كما يلي:
"التعليم عن بعد = التعليم من البيت"
فأقول:
إن من جملة ما أخشاه، بعد اعتماد وزارة التربية الوطنية هذه التجربة، أن يستقر في أفهام البعض أن "التعليم عن بعد" هو التعليم الذي يكون من البيت!
وربما يمر الوقت، فيصير هذا بمثابة التعريف، فإذا سأل الأستاذ تلامذته: ما هو "التعليم عن بعد"، كان ذلك جوابَ التلاميذ. بل ربما وجدت الأستاذ هو من قدم إلى تلامذته هذا التعريف.
وربما ليس على واحد منهم لوم، فإنما اللوم على الوزارة التي عوّضت الدراسة في المؤسسات بالدراسة في البيت عن بعد، ودعت الأساتذة - بشكل تشوبه العديد من الشوائب - إلى التواصل مع التلاميذ، فصار بذلك "التعليم عن بعد" يساوي بالضرورة التعليم من البيت.
مهلا مهلا!  بل إن الجميع ملوم: كل المجتمع التربوي ملوم على صمته وخضوعه لهذه التجربة التي شرعت الوزارة فيها دون سابق إعلام، أو مشاورة، أو خطة، أو ضمانات... وكأن كل فئاته بمختلف مهامها لا تعني لها شيئا!
لن أخوض في سبب ذلك الصمت حتى لا أُحزن أحدا أو أجرحه، وإنما أترك لك الحرية في تحديده.
وأعود فأقول:
إن "التعليم عن بعد" كممارسة، أمر حسن، يمكن أن يطبق في العديد من الحالات ليحقق نتائج طيبة. ومن تلك الحالات مثلا:
-       مع قسم ليس له أستاذ: حيث يمكن أن يدرسه أستاذ من مؤسسة أخرى مهما كانت بعيدة، وهو في قاعته وهم في قاعتهم في الحصة المبرمجة لهم.
-       بالنسبة إلى المترشحين الأحرار: حيث يمكن لكل تلميذ أن يتابع دروسه عن بعد، مع قسم متمدرس في نفس الوقت الذي يتلقون الدرس مع أستاذهم. بل يمكن برمجة حصص خاصة بهم يقدم فيها الدروس أساتذة في قاعات مجهزة بما يلزم، فيتفاعلون معهم ويستفيدون.
-       بالنسبة للطلبة بمختلف مشاربهم، الذين لا يستطيعون حضور درس لمانع من الموانع.
-       بالنسبة للنزلاء في المؤسسات السجنية المسجلون في الأسلاك الجامعية.
-       في الدورات التكوين بمختلف أشكالها وأنواعها.
-       ...
وفي كل هذه الحالات، وغيرها، لا بد أن يكون المدرس في فضاء خاص وملائم، كقاعة الدرس مثلا، مزود بكل ما يلزم من معدات وأدوات للاشتغال، في محل عمل منصوص عليه في النصوص التنظيمية، أو ما شابهه مما يمكن أن يدخل تحت تأطير تلك النصوص، ويتحقق فيه شروط العمل.
أما هذا التعليم المطبق منذ الحجر الصحي، فهو كذلك "تعليم عن بعد"، ولكن، لا ينبغي أن يغيب عن ذهن المتأمل ما فيه من عثرات وزلات، منها ما ذكرت في المقالتين السابقتين، ثم منها:
أن المكان الذي طُلب من المدرس أن يعمل منه هو البيت: مكان له ما له من وزن ودلالات في ثقافتنا: فللبيت حرمة وخصوصية لا تخفيان على أحد: حرمة تجعل الزائر يتردد مرات قبل أن يطرق الباب، وخصوصية تجعله لا يخطو خطوة فيه إلا بإذن من صاحبه. مكان نأوي إليه لنرتاح من متاعب العمل، مكان لا نكون فيه مدرسين، مكان يعود فيه المدرس أبا وزوجا وابنا وأخا...، والمدرسة أمّا وزوجة وابنة وأختا... مكان نطرح فيه قناع المدرس ودوره، لتبقى وجوهنا مكشوفة، لنكون نحن، ولنتكلم ونتصرف على راحتنا مع أسرنا وأهلينا، تاركين العمل وأعباءه بعيدا جدا، ولو كان مقره في الزقاق المجاور.
وإذا بالوزارة تريد أن تُـلبس المدرس ذلك القناع نهارا وليلا، وتلصق في يده أوراق الحوار يردده بين غرفة الأطفال والمطبخ وغرفة النوم والصالون...! فتنقلب حياته رأسا على عقب، فلا البيت يبقى بيتا، ولا العمل عمل!
هذا إن لم يكن الأبناء متمدرسين؛ أما إذا كانوا كذلك، فويل للأسرة جميعا من هذه التجربة، التي تناسى من أخضعنا لها أن المدرس مواطن ككل المواطنين، قابع تحت الحجر الصحي هو أيضا مع أهله مترقب حذر من أن يصيب أهله مكروه، وكله توتر وقلق - فأضاف إليه قلقا آخر وتوترا، يريد أن يحطمه وأسرته تحطيما.
لكن، ألم يكن المدرسون يقومون بجزء من عملهم المتعلق بالتدريس في البيت، كـ: تحضير الدروس ووضع الفروض وتصحيحها ومسك النقط؟!
آه آه.. ربما هذا الذي شجع الوزارة على منح المدرس وأسرته أعباء أخرى..
بل لعل مسكه للنقط من بيته باستمرار هو ما جعل الوزارة تفترض – بكل أريحية - أن لكل مدرس حاسوبا وربطا بالإنترنت، ومنه يمكن أن يقوم بعملية "التعليم من البيت" دون أن تمنحه أي معدات لذلك!
وكأني بك تقول: آه آه.. ربما كان علينا أن نطالب منذ زمن بربط مجاني بالإنترنت وبحاسوب حديث وطابعة، و..
فات الأوان أيها أخي.. فقد صار ذلك واجبا مكتسبا بحكم التقادم، وكذلك سيصير "التعليم من البيت"، حيث سيتعين على المدرس أن يوفر ما يلزم من أدوات لذلك من أجرته، التي ليس في خاناتها - المتعلقة بالتعويضات - خانة خاصة بالتعويض عن العمل من البيت، أو أخرى متعلقة بالتعويض عن أدوات الاشتغال...
بل، ليس مستبعدا، أنه كلما عنَّ للوزارة أمر قامت بتنزيله، وأمرت المدرس بتنفيذه ولا تبالي، ولسان حالها يقول له: "عوم فبحرك، المهم دير للي قلت ليك"، وسأصفق لك وأثني عليك لدى الرأي العام، وتفرح بذلك؛ وسأدلي بالأرقام الدالة على نجاح التجربة التي أنا صاحبتها، والتي هي في سبيل الوطن. أم أنك لا تتفق معي؟!
آه آه.. ربما فات الأوان فعلا على المطالبة بمعدات، أو تعويضات.. بل..
أخشى أن يفوت الأوان على المطالبة بالتقدير والاحترام اللازمين، تقدير واحترام حقيقين: ليس من خلال الثناء العقيم في وسائل الإعلام، وإنما بالفعل. أخشى أن يفوت الأوان والمجتمع التربوي على ما هو عليه من التفرق والصمت؛ صمت أفترض أنك قد عرفت سببه.
ترقب القادم.. إن شاء الله
انظر المقالين السابقين من هنا: