رسالة من الحياة إلى الانسان (في زمن الحجر الصحي )

ذ. فريد المطوشي

ذ. فريد المطوشي
 تر جيست
بتاريخ الثلاثاء : 14 ابريل 2020
لاتستغرب إن خاطبتك اليوم بنبرة فيها غلظة وقسوة وحدة قول وأنت في الراهن قد أطيح بك من مقام الاستعلاء و الاهتمام وغدوت أسير جدران بيتك.. في بساطتك أيها الشاكي على الدوام أيها المتسلح بالنفور والعصيان ...
ألست أنت الذي ولدت باكيا وتعيش شاكيا ؟...ألست أنت الذي كنت في فردوس الحرية أغدقت عليك النعم ورفلت في جنائن عطائي المقيم وعطفي المستديم. ؟
فنعمت بالطبيعة الخلابة ..بهوائها السارح عبر ربوع الجبال وحقول الأزاهير والشطآن ناهلا من صفائه الرباني .. وقراحه الرقراق بعطاء معينه وسخاء منهله بأمر الرحمن... وصوته السجي الرنان ...
ها قد صرت اليوم تنام خلف أحلامك كلها ..ترتجي عمرا جديدا ينبت كشتائل الريحان ... تروم ان تطارد الفراش في الحقول كطفل مشقي تأخذه أحلامه بلا وجهة فلا الجري أعياه ولاهو أدرك قواعد لعبة الصبيان... وتوسلت في الحياة برهة لاستدراك ماضاع من حب واعتذارات قبل ان يتغير لمقامك العنوان ..تبدلت عاداتك كلها فحلت بك الضنون وحاولت ان ترسم ابتساماتك لكن آهات القدر أخرست ماكنت تنبس به في طرقات المدائن ومحافل المقاهي وغدوت ثقيل الظل تحف بك دوائر السقم والملل. ..فهل أدركت الآن كم كنت زائغا عن سبيل العارفين بنعمة الحياة الواثقين أن العمر أمانة ورحلة منك وإليك ؟ ... من طفل يسكنك ببراءته وأمانيه الوردية وضحكاته الملائكية إلى رجل مشاكس يتأبط سِفر أعماله وقد سلبته قساوة القلب وزيغ اللسان وانفطام المحبة مايعتري وجهه من بهجة الإنسان ...
فكل صباح تسطع فيه شمس الرحمن تحيي نعمه وآلاءه المقيمة وترسل نورها الوارف المتوهج على أرجاء الكون وأنت حبيس غرفتك البئيسة ..غرفتك التي صرت تعرف تفاصيلها الدقيقة وألفتك كثيرا حتى أنها لم تعد تكترث لتأففك وسخطك ونزقك ...
بل حتى الطيور والحيوانات اصبحت تنعم بهدوء المكان وسلام من الرحمن فخلا لها المكان وحلا لها المقام .. وقد صار رحبا يسع شقشقاتها ونطاتها بعد أن تخلصت من كل مضايقاتك ونالت بحبوحة العيش الهنيء ... ورغم كل شقائِك فقد افتقدَتك وأدركت غيابك وعلمت بفطرتها أن الله قد نالك ببلواه وجعل لك امتحانا عسيرا عساك تؤوب وتقلع عن أحوالك وتتوب وتكتشف مقامات الخير فيك قاطعا عهدك بسالف أفعالك مرسلا دعاء رخيما لمولاك عساه يزيل غمتك ويجلي كربتك ويحفك برضاه وعين عطفه...
انا الحياة وهذه رسالتي إليك لأذكرك أن آلاء الله أعظم منك ،
فنعمة الهواء والماء والأمن والصحة وما يتدفق من قلوب الناس من رأفة وعطف وتسامح تؤثث سبيل البسطاء الموقنين بقصر الرحلة وبخس التذكرة ، فإن كان في العمر فضلة فسر على درب الصالحين الرحماء العاملين بالمعروف الساعين في دناهم لبث المباهج والسعادة وقيم الخير بين الكائنات ، فعمرك صفحات معدودة تساقط كل يوم كأوراق الخريف تذروها الرياح وينالها الاندثار...
فاجعل ينابيع الخير فيك تنفجر انفجارا فها قد عرفت الحقيقة فالزم ولاتعد، واجعل للشر فيك انفطاما ولبصيرتك احتلاما وانشر المحبة في طرقات الحياة ... فكل ابتسامة محبة تبني به إنسانا وأوطانا ...
انا الحياة لا أريد منك شيئا ... فقط أريد أن أرى فيك الإنسان أيها الإنسان.