الحب الكاذب والكراهية الصادقة في زمن كوفيد التاسع عشر 

ـ نورالدين الطويليع

ـ نورالدين الطويليع
 يقول مصطفى صادق الرافعي في أوراق الورد: " إذا اجتمع الأذى والحب في قلب، وجب أن ينصرف الحب مطرودا مدحورا".
        من أكثر الثنائيات تنافرا وتباعدا ومعاندة للتساكن والاجتماع، ثنائية الحب والكراهية، لا يجتمع هذان العنصران في قلب واحد، ولا يمكن أن يتعايشا بأي حال من الأحوال، فإما أن نطلق العنان لقلوبنا لتحب، وتثمرَ بوابل الحب من كل عطاء بهيج، وتنثر بذور حبها في كل مكان، وتنشر أريجها حيثما ولت واتجهت، وتنبت قصورا شامخة بِلَبِنَاتِ الإيجابية والعطاء وإنكار الذات، وتحقن حبها للآخرين، ليعم رداء الحب الجميع، ولِيَدَّثَرَ به كل من سُلِبَ نعيمَهُ في وقت من الأوقات، أو على طول الأوقات وعرضها، وحينئذ سيغنم المجتمع، وستولي الخيبة دبرها إلى غير رجعة.
     أما إذا كرهت القلوب، وملأ الحقد سويداءها، فلا شك أنها ستنتج الخراب، ولا شك أن عدوى أذاها ستتناسل وتتكاثر، لتأتي على أخضر الحياة ويابسها وتحولهما إلى هشيم، وحينئذ ستعم العدوى وتنتقل انتقال فيروس قاتل، لتقتل كل جميل، وتئده في المهد، وويل لمجتمع هذا واقعه الجحيمي القاتل.
    لا يجتمع حب وكراهية في قلب واحد، أقولها هنا بصريح العبارة، ودون مواربة، لمن يتاجرون بحب الوطن من الجالسين على عروش المجالس المحلية والإقليمية والجهوية، الأغلبية الساحقة من هؤلاء صرفوا عشرات ملايين السنتيمات خلال ولايتهم في اشتراء الأعلام الوطنية، وملؤوا بها مكاتبهم وكل زوايا جماعاتهم ومقراتهم، بِظَاهِرٍ عنوانُه حب الوطن، وباطنٍ ينطق صارخا بإذاية الوطن ونهبه وسرقته، متوسلين بالظاهر الكاذب ليخفي الباطن الصادق، وليفحم كل من سولت له نفسه مساءلتهم واستنطاقهم عن طلبات سند تذهب أدراج الاختلاس، وهم يعرفون معرفة الراسخ في علم التأليب والمغالطة كيف يحولون المساءلة إلى جَلْدٍ وتعذيب بسياط معاداة الوطن وتبخيس علمه الوطني.
       ما تحمله الأغلبية الساحقة من منتخبينا من توأم الحب الكاذب والكراهية الصادقة كشفته هذه الجائحة التي أتت رياحها لتزيل الكاذب، وتترك الصادق عاريا مكشوفا، وفي انزواء الكثير من الرؤساء في منازلهم الآن، وتخلفهم عن ركب الإنقاذ في هذه اللحظات الحرجة كَشْفٌ لحقيقة من سرقوا باسم الوطن، ومن تاجروا في خيبات أبنائه، ومن كانوا في صورة ذئاب وراء ثياب بفمٍ يُسَبِّح ويَدٍ تَذَبِّح...، الآن حصحص الحق، وبقيت فئة قليلة جدا جدا من المنتخبين ممسكة على الزناد، لا يهمهم من خالفهم من الأغلبية الساحقة التي خدعتنا وخدعت الوطن، وآن الأوان لتأخذ نصيبها من اللعنة بعدما أخذت نصيبها وافرا من خيرات الوطن بدون وجه حق،  وبعدما ضحكت علينا بحب كاذب يخفي وراءه نوايا كراهية عمياء وأذى بلا حدود.
   في هذا الوقت العصيب زالت الثنائية الكاذبة، فإما أن تكون محبا صادقا، وإما أن تكون كارها سافرا، ولا توجد منطقة وسطى بين الاثنين، والفعل والممارسة أو عدمهما هما تيرمومتر القلب ونبضه، فالحب يوافقه العمل والتضحية، والكراهية تلتقي بالأنانية والنكوص إلى الوراء.
                   لو كان حبك صادقا لأطعته....إن المحب لمن يحب مطيع