كأس وعراك وقمر (قصة قصيرة) 

ــ نورالدين الطويليع


ــ نورالدين الطويليع


التأم الصبية في بيت معزول، لا تصله أرجل المزعجين، ولا أعين الفضوليين، صفت الكؤوس فوق طاولة لم يحل حائل بينها وبين القمر المتلألئ، المتألق بضياء منتصف الشهر، استلقى الندامى على الأرض المعشوشبة، تحفهم القيان اللواتي حفظن المكان وجوار المكان عن ظهر قلب، موسيقى صاخبة تختلط بالقهقهات والحديث الفكه، صاح أحدهم: "ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر"، وقبل أن يأتي بشطر البيت الثاني قاطعه نديمه: "ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهرُ"، وهنا تدخل ثالث راجيا من الجميع الإنصات لأبيات أخرى من هذه القصيدة

التي يهيم بحبها، فأومؤوا بالموافقة، لينطق متغنيا منتشيا:

فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة...... فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ

وما الغَبْنُ إلاّ أن ترَانيَ صاحِيا.... و ما الغُنْمُ إلا أن يُتَعْتعني السكْرُ

فَبُحْ باسْمِ من تهوى ، ودعني من الكنى.....فلا خيرَ في اللذّاتِ من دونها سِتْر

ولا خيرَ في فتكٍ بدونِ مجانة ..... ولا في مجونٍ ليس يتبعُه كفرُ

 تعالت الأصوات المتأوهة المتماهية مع إيقاع الأبيات ومضمونها، وفي الوقت الذي هَمَّ أحدهم بتسليم نديمه الآخر كأسه، جعل يترنم بهذا البيت الشعري، مدعما ما جاء به سابقه:

وإن قالوا: حرام، قل: حرام ** ولكن اللذاذة في الحرام

وبصوت متثاقل هتف أحدهم: صدق الشاعر، ما ألذ الحرام، لقد جربته وصادقته، وعشت وإياه متلازمين في مهامي، في سلوكي الاجتماعي، في حياتي السياسية، لكنه غَادِرٌ، لا يستقر إلى جانبك إلا هنيهة، ثم يغادرك دون وداع، ليتركك تلهث وراءه، عسى أن يمنحك بعضا من وقته مرة أخرى بعجرفة ظاهرة.

رد عليه أحدهم:

ــ لهذا السبب أفنيت عمرك، وقضيت حياتك كالقابض على الماء؛ انتخابات، مهام، رشاوى، تعويضات...، دون أن يظهر أثر لما تجمعه.

ــ قلت لك إنه صديق لا أمان له ولا ثقة فيه، لكنه حين يسعفك يمتعك للحظات تنسيك خيباتك.

ــ لقد جريتَ وراءه كثيرا ونسيت هموم أبناء مدينتك.

ــ ليذهبوا جميعهم إلى الجحيم، ولتحترق المدينة عن بكرة أبيها، هذا المكان هو وطني، وأنتم هم مواطنو بلدي، فيكم الكفاية، وفي سمركم المنى والمبتغى، فلا تزعجوني، ولا تكدروا  صفو متعتي بهذه اللحظة الجميلة.

ــ لكننا نسمعك تردد كثيرا مفردات: الأحباب، وروحي فداكم، وأعيش من أجلكم في حملاتك الانتخابية.

ــ كم أنت غبي، مجرد كلمات جوفاء أصطاد بها المغفلين، قبل أن أطلقها طلاقا بائنا عقب الظفر بالمقعد الانتخابي.

تعالت طخطخات الندامى، وأَمَّنُوا جميعا على كلامه، بعد أن رفع عقيرته بدعاء الخالق أن يديم عليهم نعمتهم، وأن يبارك لهم في سمرهم، وأن يضمن له الفوز الانتخابي دائما لتستمر حفلات السمر الحمراء.

فجأة التفتوا جميعا إلى صديقهم الذي قدم من الطابور الخامس، وجرفته الحظوظ ليصبح عضوا أساسيا في تشكيلتهم النديمية، بادره أحدهم متهكما: أنت مكانك الطَّبَعِيُّ أن تكون في مطرح الأزبال، بعيدا عن هذا الفردوس، فما كان منه إلا أن رفع الكأس عاليا وردس بها الأرض، ليتطاير النبيذ على وجوههم وملابسهم، ولينطلق في موجة سَبٍّ لم تبقِ ولم تَذَرْ، ولتتعالى الأصوات لاعنة بعضها بعضا، قبل أن تحتدم المعركة؛ أيدي تتوجه صوب الوجوه كما اتفق، وبصاق يستقر فوق الرؤوس والثياب، وأرجل تركض في كل الاتجاهات كأنها "حُمُرٌ مستنفرة فرت من قسورة"، وقبل أن تنضاف المحكمة إلى الكأس والعراك والقمر، تدخل الحراس ليفضوا النزاع، وليحملوا الثور الهائج إلى منزله، ويفرقوا الجمع الذي يوشك أن يفضح اللعبة بتهوره.