حكاية على لسان ميرال


المهدي قنديل//مدينة برشيد

تنز السماء بالمطر الغزير، وتدب قطراته زجاج الغرفة المعتمة الكائنة وراء المنزل،، منفردة تماما عن الغرف الأخرى، لا تستقبل أحدا غير صاحبها الذي ربط معها علاقة خاصة.


كان الصباح باردا، وكانت السماء ملبدة بالنجوم، تتمخض من وجع الأصوات المتعالية عن الأرض. بقي الشاوي ينتظر انبلاج الصبح، وينتظر اتصالا هاتفيا من إدارة المستشفى الذي ترقد فيه الصغيرة المنهكة، يتقلب يمينا و شمالا كقطعة لحم لم تستسلم  لحبات النار المضرمة في قلب العجائز. بقي يدعو السماء التي تئن بأصواتها الفجرية، وصهره في الغرفة الأمامية باسط ذراعيه، يرثل ما تيسر من القرآن الكريم، لو اطلعت عليه، لولين منه ذعرا وشفقة من هول اللحظة والسكينة.


خرج الشاوي مرتديا معطفه الأسود يردد كلام إحدى شخصيات الكاتب المكسيكي خوان رولفو في روايته بيدرو بارامو: اليوم أيقنت أنني لن أرزق ولدا مجددا. حيث القدر رمى بثقل نهايته على رقبتي الهشة، وقعد ينتظر ردة فعلي. كانت دقات المطر في جسدي أهون من صرخات الالة التي تحمل الصغيرة في بطنها. كانوا يسمونها غرفة الإنعاش، وكنت أسميها أنا بغرفة الهلاك، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الانتظار والأدعية، لا أدخلها إلا وانا حامل جعبة العجوز الأشيب في معركة داخل بلاد الهنود الحمر ..الآباء مثلي يتناوبون على خطف نظرات سريعة داخل الغرفة المظلمة، يحملون أثوابا يجففون بها الدموع، يسيرون ذهابا وإيابا على سرير خشبي لا يكل ولا يمل من نقل صداعه إلى حراس الأمن الخاص. يشرئبون بأعناقهم نحو النوافذ الشفافة، والأطباء بخطواتهم السريعة يتسابقون للإجهاز  على الياس. بينما الزمن يتقدمهم لإرسال الآباء وأزواجهم  للإنتظار .


في مساء يوم السبت، أقفل المستشفى أبوابه في وجه الزوار، وجلست الأعين ترقب صمت اللحظات البئيسة، ومن حين لآخر تندلع أصوات البكاء والندبة من داخل مستودع الأموات…أم تودع فلذة كبدها، وزوجة تودّع زوجها،،، وصديق يفارق أصدقاءه،،،وحدهم المشيِّعون يطهرونهم من دنس الأوقات الصعبة، ويفرزون الجنائز لتسليمها إلى أهلها استعدادا للحدها، وحده الشاوي يتشبث بالإصرار والعزيمة، ويتسلح بصوت رضيعته الباقية الصالحة في أحضان آلة شهدت على استشهاد العديد من الأرواح.


…دخل الشاوي مسرعا أمام سيارة الإسعاف الحاملة لابنته المختنقة، تتوجع  جراء الاصطدام الذي تعرضت له والدتها أثناء امتثالها أمام وجوه تفتقد للإنسانية،،،قيل أنها ظلت تصارع الموت، وقيل أنها استسلمت غرقت في محن الدماء التي لطختها بعد قيام امرأة بجانبها بتقطيع لحم سيقانها لإطعام رضيعتها…ضرب الشاوي كفا بكف الحارس الذي يتفقد جيوب الناس قبل أحوالهم،،، رسم ابتسامة عريضة على وجهه أعرض من ربيع شهر مارس، فعبد له الحارس الطريق ليتسلل غرفة الإنعاش…لا حرارة تعلو إلا حرارة تفاعل الأجسام في بينها،،،أجسام تمد عنقها نحو السماء. إلى أين يهرب الإنسان يا إنسان ؟…


عمّ الصمت في الغرفة رقم 03، والكل أحاط بالابنة المختنقة،، واحد يجزم باستحالة عيشها، وآخر يقسم بأغلظ الإيمان أنها لن تعمر طويلا،، بينما يوجد شيخ يعانق طفلا في زاوية الغرفة، يرجع أمر نجاتها إلى المعجزات الربانية المتصرفة في عبده، مشيرا بسبابته إلى أبيها المنهوك،،،سيسحب تمثال القدر يده من سماء اليأس.


بلغت الساعة السادسة مساء، أمر الحارس الليلي الجميع بالخروج، كما أمر الأمهات بالإعلان عن مجاورة صغارهن لدعمهم وإخراجهم من النفق المظلم الذي يعلوهم،،،تضرعت سيدة للإله راجية أن ينقذ صغيرتها التي امتلأ جسدها أنابيب عديدة،، تمتص المياه من جوفها، وبعد لحظات، أثلج صدر الصغيرة، فتوقف الهواء عن الذهاب والإياب،، جف ريقها، كما جفت أعين الأم، وشلت عن الحركة كما شل ربيع عمرها،،،اندلعت أصوات البكاء داخل الغرفة،، وتشابكت الأيدي بين الكل،، فقد الجميع حاسة الكلام، وكادوا يفقدون حاسة الأمل، لولا فسحة الشيخ الذي بدأ بترثيل آيات بينات،،،وفور انتهائه، ولج الحراس الغرفة ليخرجوا الصغيرة منها، والملائكة تطوف من حولها مرددين: مولانا نسعاو رضاك وعلى بابك واقفين،، والجميع يرد: لا من يرحمنا سواك يا أرحم الراحمين…

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

  • انشر مواضيعك و فروضك و مساهماتك على موقعنا من خلال بريدنا :[email protected] -واتساب 0707983967- او على الفايسبوك
    تابعوا موقع الأساتذة على أخبار التعليم على اخبار جوجل



  • وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -