بلاغة الدعاية الأمريكية الموجهة إلى العرب: من القيم إلى الهيمنة ــ قراءة بلاغية في موقفين تواصليين فارقين
بلاغة الدعاية الأمريكية الموجهة إلى العرب: من القيم إلى الهيمنة
ــ قراءة بلاغية في موقفين تواصليين فارقين
ـ نورالدين الطويليع
نسعى في هذه الدراسة إلى قراءة خطاب الدعاية السياسية الأمريكية المرتبط بالآخر العربي، ونتوسل بالبلاغة لرصد تحولات هذه الخطاب وتتبع إرهاصاته التي مرت في السنوات الأخيرة بمرحلتين مختلفتين:
ـ مرحلة الدعاية الناعمة المؤسسة على إظهار المثالية الأخلاقية والترويج لإيتوس الذات الحريصة على الانخراط في منظومة القيم الكونية وما يرتبط بها من مفاهيم الكرامة واحترام حقوق الإنسان....
ـ مرحلة الدعاية للهيمنة الأمريكية المطلقة المتوسلة بالقوة التي لا ترهن نفسها بشرط القيم، وتتملى بإهانة الآخر.
ونركز على موقفين تواصليين، يرتبط الأول منهما بخطاب الرئيس الأمريكي الأسبق الموجه إلى العالم الإسلامي سنة 2009، وسنمر مرورا سريعا عليه لدواعٍ منهجية، ويرتبط الثاني بندوة المبعوث الأمريكي إلى لبنان، وما ميزها من تهجم على اللبنانيين والعرب، وسنتوسع في تحليل تفاصيله بحكم آنيته ودلالاته المؤشرة على واقع جديد.
وتأتي استعانتنا بالبلاغة لتحليل هذا الخطاب ترجمة لقناعة مترسخة ترى فيها مجسا فعالا لقياس النبض السياسي، ف"الارتباط بين البلاغة والسياسة استمر لما يزيد على ألفي سنة، وما تزال البلاغة أهم مداخل دراسة السياسة وأحد أهم أدوات ممارستها"[1].
ونتساءل بهذا الصدد: إلى أي حد يعكس الانتقال من خطاب الدعاية الأمريكية الناعمة، المؤسس على القيم الأخلاقية، إلى خطاب الدعاية للقوة والاستهانة بالآخر، تحوّلاً في البنية الحجاجية للخطاب السياسي الأمريكي الموجَّه إلى العالم العربي؟ وكيف تسهم أدوات البلاغة في كشف استراتيجيات الإقناع والإخضاع التي توظَّف في هاتين المرحلتين؟
نهجت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة أسلوبا دعائيا ناعما، تلمست فيه عناصر البلاغة والحجاج ومختلف وسائل التأثير العاطفية وآليات الإقناع المنطقية من أجل رسم صورة مغايرة للتمثلات السائدة حول عداء هذه الدولة للشعوب والأمم الضعيفة، وهو تمثل مستمَد من الأحداث والوقائع التي عرفتها وتعرفها منطقة الشرق الأوسط ( شن الحروب ـ دعم سافر للكيان الصهيوني ـ التدخل في شؤون الدول وتوجيه سياساتها الداخلية والخارجية...)، وبسبب ردود الفعل العنيفة على هذه السياسية وازدياد منسوب الكراهية تجاه كل ما هو أمريكي، استعان القادة الأمريكيون بالخطاب، وما رسوا التلطيف البلاغي من أجل إعادة تأطير هذه العلاقة وتوجيه الرأي العام العربي وجهة أخرى، تضعه في خانة بعيدة عن الصدام والمواجهة والتربص، وتسمح للسياسة الأمريكية بالاختراق وتحقيق مآربها الثابتة المتمثلة في السيطرة والهيمنة، لكنْ في صمت، أو تحت ستار ناعم، يشكل غطاء حاجبا للواقع
نستحضر في هذا السياق خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" في جامعة القاهرة في 04 يونيو 2009 الذي يُعد نموذجًا للدعاية السياسية الإيجابية المؤسسة على تشييد مصداقية رمزية، وشرعنة القيادة الأخلاقية الأمريكية، وبناء إيتوسها القائم على الاحترام العَقَدِي والثقافي للشعوب العربية والإسلامية، وإظهار الارتباط القيمي بين المبادئ الأمريكية والتراث الإسلامي، وقد انطلقت هذه الدعاية في كل ذلك من مبدإ مراعاة أفكار المتلقين ومشاعرهم وانتظاراتهم، ويبدو ذلك واضحا في هذا المقطع من الخطاب:"إننا نلتقي في وقت يشوبه التوتر بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي... لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض، ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما، بل إن لهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان"[2]، واضح إذن حرص المتحدث على التكيف على المخاطَبين من أجل استمالتهم والتأثير فيهم وعيا منه بأن"الخطيب يجب أن يكون موضع قبول عاطفي لدى المتلقي خلال بث الخطاب وتلقيه"[3].
وقد اشتغلت الآلة الدعائية الأمريكية بنشاط كبير من أجل نشر هذه الأفكار وإنجاح المسعى الدعائي الذي جعلها تصرف مليارات الدولارات سنويا على الإعلام، وتستأجر إعلاميين من داخل منطقة الشرق الأوسط لتعزيز الصورة المبتغاة وتلميعها واستقطاب الأتباع والمناصرين، والتعمية عن الحقيقة التي تُمارس أبجدياتُها خلف الأبواب الموصدة مع الزعماء، بعيدا عن الأضواء الكاشفة.
مع صعود الرئيس دونالد ترامب تغيرت الصورة تماما، فقد تخلت الإدارة الأمريكية في عهده عن هذا الأسلوب الدعائي، وكشفت وجها واحدا للسياسة الأمريكية تجاه دول المنطقة، تقوم على إظهار العجرفة، وتستغل الفرص لإذلال القادة، وإظهارهم في صورة الضعيف الخاضع لقوة السيد الأمريكي الذي يملك كل شروط التحكم فيهم، ويمن عليهم بأنه ضامنُ استمرارهم في الحكم، وبذلك لم تعد هذه الإدارة معنية بتفكيك صورة العدو، ولا بشرعنة الصورة الأخلاقية للقيادة الأمريكية، وهذا التوجه يجسد توجها جديدا قائما على الدعاية للهيمنة الأمريكية المطلقة التي لا تراعي مشاعر الشعوب العربية، ولا تلقي بالا لاستجاباتها الرافضة لهذا التوجه، لأنها ماضية في مسارها القائم على الدعاية للذات الأمريكية المطلقة التي لا تقيدها أي حواجز قانونية أو أخلاقية أو استراتيجية، وتملك كل وسائل إهانة الآخرين وإخضاعهم لسلطتها.
ما وقع أمس في المؤتمر الصحفي للمبعوث الأمريكي "توماس براك" يكرس الواقع الجديد لدعاية القوة الأمريكية السافرة، فقد ضرب بعرض الحائط كل الأعراف الديبلوماسية والأخلاقية، وخاطب الصحافيين اللبنانيين من القصر الرئاسي في بعبدا قائلا:"سلوككم حيواني وفوضوي .. تصرفوا بتحضر، لأن هذه هي المشكلة الحقيقية في ما يحدث في المنطقة".
هذا الخطاب المتعالي جدير بالدراسة والتتبع، فهو يختزل السياسة الأمريكية الجديدة، ويظهر توجهها الدعائي، والمؤشرات الآتية تكشف أبعاده الظاهرة وخلفياته ومنطلقاته.
1 ـ اختيار المكان (القصر الرئاسي اللبناني): أن يتوجه المبعوث الأمريكي بهذا الخطاب المهين إلى نخبة إعلامية لبنانية، فهذا ليس محض صدفة، بل رسالة تحمل رمزية دعائية عميقة لها أبعاد حجاجية واضحة، تنحت عميقا في تكريس منطق الوصاية، فالقصر رمز للسيادة الوطنية ولقوة القرار، واختياره لإهانة اللبنانيين وسكان منطقة الشرق الأوسط، رسالة مكشوفة بأن سلطة الولايات المتحدة الأمريكية لا ترتبط فقط بالبيت الأبيض، بل تمتد لتشمل مواقع القرار العربية، ومن قلبها تستطيع أن تمارس سلطة الوصاية على الجميع، وهنا يتحول المكان إلى أداة حجاجية ترسّخ صورة "الوصي" الذي لا تحجزه أي حواجز عن توجيه الإهانة إلى الشعوب والنخب السياسية.
وصف اللبنانيين بالحيوانيين والفوضويين في سياق مكاني له دلالاته العميقة، يضاعف الإهانة، لأنه لا يستهدف أفرادا فقط، بل يمتد ليخدش صورة الدولة، ويطيح برمزيتها السيادية، فاختيار قصر بعبدا لممارسة هذه العربدة الإعلامية يعمّق العلاقة الحجاجية بين "القول والفعل"؛ فالقول المسيء هنا ليس تصريحاً عابرا، بل فعلًا خطابياً يترجم هيمنة فعلية. إنّه يجعل من الهيمنة الرمزية واقعاً محسوساً أمام الجميع، مما يرسخ سردية الآخر الواهن الذي لا يملك إلا الخضوع للقوة الأمريكية والانصياع لقراراتها.
2 ـ اختيار الصفة: تنهض الصفات بدور حجاجي بارز، وتساهم في تجلية المعنى وتبليغه إلى المتلقي، وتختزل موقف الباث من الموصوف، فاختيار الصفة يقوم بدور مهم في الحجاج، لأنه لا يخلو من خلفية مرتبطة بموقفنا ووجهة نظرنا ورؤيتنا الخاصة لموضوع ما"[4]، وهذا ما تكرسه صفة "حيواني"، فهي تجرد المخاطبين من إنسانيتهم، وهي أداة دعائية استغلتها القوى الاستعمارية من أجل بسط نفوذها وشرعنة احتلالها للدول الموسومة شعوبُها بهذا الوصف، من منطلق الرغبة في تحسين سلوكها والارتقاء به إلى مرتبة من التحضر والإنسانية، وهذا الموقف الوصفي للمبعوث الأمريكي يمثل رَجْعَ صدى لأفكار توراتية وتعاليم تلمودية ترى في العرب وحوشا وحيوانات، "الثابت في الرواية الدينية اليهودية، وفقاً للعهد القديم وأدبيات التلمود أن النبي إبراهيم عليه السلام نفى ابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى الصحراء، لكثرة أذاهما له، وأن العرب على هذه الشاكلة، لأنهم من نسل هذا (الولد المتوحش) حسب التوصيف التوراتي.
جاء في سفر التكوين، الإصحاح 26 في وصف النبي إسماعيل «جد العرب» أنه "يكون إنساناً وحشيا، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه" وهي صورة الشخص الذي يثير الصراعات والحروب، ويدخل في مواجهات مع الجميع، مما يضطر الجميع إلى الدخول في صراعات معه، وهي الصورة النمطية للعربي والفلسطيني في المخيال الإسرائيلي المعاصر"[5]، فالأرضية التي استقى منها المبعوث الأمريكي هذا الوصف القدحي مشيدة على دعاية دينية، يحرص الحاخامات اليهود المتشددون على إشاعتها لتتركز في الأذهان، وتكون وسيلة فعالة لكل الأفعال الإجرامية في حق العرب، ومعلوم أن الدين "عامل مهم في الصراع، وغالبًا ما يُظهر اختلاف الهوية، ويعمق الصراع، ويبرر العنف"[6]، وحسبنا أن نستحضر بهذا الصدد خرجات الحاخام الصهيوني المتطرف "عوفاديا يوسف" الذي وصف العرب بالثعابين والصراصير والنمل من منطلق ديني واضح:"العرب صراصير يجب قتلهم وإبادتهم جميعا... اليهودي عندما يقتل مسلما فكأنما قتل ثعبانا أو دودة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كلا من الثعبان أو الدودة خطر على البشر، لهذا فإن التخلص من المسلمين مثل التخلص من الديدان"[7].
واضح إذن أن شتم الإعلاميين اللبنانيين ووسمهم بالحيوانيين مُسْتَمَدٌّ من قاعدة دعائية دينية متطرفة، تتغذى على العنصرية، وتنصب الذات الأمريكية والصهيونية على عرش التحضر والتمدن في مقابل همج وحيوانات لا تستحق سوى الدهس المادي والمعنوي، هذه البنية تولّد علاقة حجاجية تقوم على "التضاد" بين حالتين: حالة "الهمجية" الموصوف بها المخاطَب، وحالة "التحضر" المُحْتَفَظُ بها للذات، مما يضعنا في صلب مفارقة مُؤَطَّرَةً بالاستعلاء الذي يتمادى صاحبُه في الإهانة من أجل إظهار الهوة الكبيرة والفرق الشاسع بينه وبين المُهان، فالإهانة وفق هذا المنظور، وفي هذا السياق المتسم بالتوتر والانفعال "هي أسلوب بلاغي يهدف إلى إبلاغ الآخر بأن الهوة التي تفصل بينه وبين المتحدث أصبحت الآن غير قابلة للتفاوض. ربما يفسر هذا السبب وراء استخدام أسماء الحيوانات لهذا الغرض: فهي تشير إلى مسافة لا يمكن تجاوزها أو على الأقل لا يرغب المرء في إلغائها"[8].
أما صفة فوضوي فهي محملة بدورها بشحنة سلبية كبيرة، وترتبط بمن "يُحْدِثُ الْبَلْبَلَةَ وَيُخِلُّ بِنِظَامِ الأُمُورِ، وَيُمَارِسُ الْفَوْضَى"[9]، ولا نستطيع الإحاطة بمقصدية الباث ودوافعه في اختيار هذه الصفة القدحية إلا بالعودة إلى سياق ندوة المبعوث الأمريكي؛ إذ"لا يمكن استيعاب معنى الكلمة بصورة مقنعة بمعزل عن السياق"[10]، فالباث خصص جزءا مهما في ندوته للحديث عن نزع سلاح المقاومة اللبنانية، وهذا يُكسب الوصف بالفوضوية دلالات حجاجية ودعائية عميقة، تنصرف إلى شيطنة من يحملون السلاح وإظهارهم في صورة المتخلف عن الركب الإنساني، الزائغ عن سكة التحضر والتمدن، الساعي إلى الخراب والتدمير وإحداث الفوضى وضرب الاستقرار، مما يجعل من مطلب نزع هذا السلاح واجبا من أجل استعادة النظام وتحقيق الاستقرار.
يتغيا المبعوث الأمريكي من وراء هذا الاستدعاء كذلك وضع العالَم في صورة ثنائية ضدية صارخة التناقض، فأمريكا وإسرائيل تمثلان التحضر والتمدن والنظام والديمقراطية، والمنطقة العربية تمثل الفوضى وتتسبب في العنف، وفي هذا توجيه حجاجي، يُصنَّفُ في سياقه كل فعل مقاوم بوصفه حالة غير حضارية، تستوجب التدخل الأمريكي من أجل إعادة النظام واستتباب الأمن، وهذا التوجيه يمهد للتدخل السياسي والعسكري المكشوف، ويعطي تصورا واضحا عن المرحلة القادمة، وما ستشهده من تعزيز الإملاءات الأمريكية على لبنان والمنطقة، وفرض مسار واحد، لا تملك الأنظمة أي خيار للتنصل منه.
يستثمر هذا الخطاب إذن العلاقة السببية في الحجاج، فالفوضى كما يُروَّج لها ناتجة عن عقلية متمسكة بمواجهة إسرائيل، وهذا يقتضي محاربتها بنزع السلاح، حتى يتأتى الارتقاء بإنسان المنطقة إلى مرتبة التحضر والتمدن، وكل هذا يصب في دائرة التوجه الأمريكي الجديد المتمثل في التدخل السافر في شؤون الدول، والتمادي في إهانتها بمنطق القوة المجردة التي لا تلقي بالا للنموذج الأخلاقي الذي روجت له الدعاية الأمريكية من قبل.
3 ـ استعمال فعل كلامي مباشر:اختار المبعوث الأمريكي بعدما انتهى من الوصف أسلوب التوجيه، ووظف فعلا كلاميا مباشرا، وهذا النوع يستعمله المتحدث"إذا ما أراد العناية بتبليغ قصده للمخاطب، وتحقيق هدفه الخطابي، فضلا عن رغبته في تكليف المخاطب، بفعل ما، أو توجيهه نحو أمر معين"[11]، وقد وظف فعل الأمر في صورته المباشرة الدالة على "الإلزام: إلزام المتكلم للمخاطَب بتحقيق عمل ما يمثله المحتوى القضوي"[12]، وتوجه إلى الحاضرين بلهجة صارمة تمتزج، بالإضافة إلى الاستعلاء، بالاستحفاف بالآخر:"تصرفوا بتحضر، لأن هذه هي المشكلة الحقيقية في ما يحدث في المنطقة"، وقد حرص الباث هنا على التعميم، فالفوضى والهمجية ليستا وقفا على الصحافيين، وليستا مرتبطتين باللبنانيين فقط ، وإنما هما قاسم مشترك بين سكان منطقة الشرق الأوسط، ولذلك فالفعل هنا ينصرف إليهم جميعا، وهم مأمورون بالامتثال والخضوع والإذعان، ليحققوا مطلب الباث الملح المتمثل في فعل شيء يفتقدونه (التحضر)، فمن المعلوم أننا لا نأمر في مثل هذه السياقات بأمر متحقق، يقول شكري المبخوت بهذا الصدد:"يقتضي الأمر مقوليا السلب... ويعبر هذا الاقتضاء عن الفكرة البلاغية التي تجعل الأمر طلبا لمحصول غير الحاصل في الخارج، وعن الحدس ما قبل النظري الذي يجعل أمرك إذا أمرت بما هو حاصل مدعاة للاستغراب"[13]، والمطلوب الذي يفتقده سكان المنطقة برمتها، ويحتاجونه للتخلص من مشاكلهم هو التحضر وفق المعايير الأمريكية التي ترتبط بالانخراط اللا مشروط في المشروع الأمريكي، والخضوع لكل إملاءاته التي يأتي على رأسها رمي السلاح جانبا وإعلان الاستسلام التام للمنطق التوسعي الإسرائيلي الذي لم يعد سرا من الأسرار، بعدما تناسلت التصريحات بالحق الإسرائيلي في أراضي مصر والأردن وسوريا...
ـ استجابات الرئاسة اللبنانية ووهن خطابها الحجاجي
يمكن قراءة ردّ الفعل الصادر عن الرئاسة اللبنانية، كما ورد في بيانها: "تأسف رئاسة الجمهورية للكلام الذي صدرا عفوا عن منبرها من قبل أحد ضيوفها اليوم..."، من زاوية حجاجية تكشف ضعف البنية الدفاعية للخطاب الرسمي أمام خطاب القوة والتجبر الأمريكي المقترن بالاستهانة بالآخر واحتقاره .
ويبدو هذا الوهن جليا في اختيار الفعل "تأسف" الذي يدل على شحنة انفعالية، ولا يعبر عن أي موقف سيادي، فهو يرتبط بالحزن والألم والحسرة، وهذه المعاني تقترن بالضعيف الذي لا يملك القدرة على إدانة ما وقع، ويحجزه وهنُه عن استنكاره، ويكتفي بما يمكن أن نسميه "حجاج الإذعان" الذي يروم إطفاء غضب اللبنانيين، دون أن تكون له عواقب من شأنها أن تُسْخِطَ السيد الأمريكي، ولذلك استُعملت عبارة "صدر عفوا"، وهذا تقييم يتجاهل المقصدية السياسية للخطاب، وهو لا يروم تبرئة متحدث لا يحتاج إلى صكوك براءة من أحد، وهو مصر على التمادي في إهانته التي تعد من أركان مشروعه الدعائي المؤسس على منطق الاستقواء على الضعفاء، بقدر ما يسعى إلى تلطيف الأجواء وإرضاء اللبنانيين الغاضبين.
وصف المبعوث الأمريكي بضيف الرئاسة اللبنانية بعد كل ما حصل يعبر عن الخوف من بطش الآخر، وسلك طريق وضعه في موقعٍ محصنٍ، تجنبا للدخول في مواجهة حجاجية غير متكافئة معه.
يتضح إذن أن خطاب الرئاسة اللبنانية جاء تبريريا، بعيدا عن كل ما من شأنه أن يكسبه وسم الإدانة أو الاحتجاج أو الاستنكار، وهذا يعكس موقع لبنان وكل دول المنطقة في معادلة الهيمنة الأمريكية التي لم تعد تسمح بالخروج عن خطاب مراعاة التبعية، وترفض كل ما من شأنه التعبير عن السيادة.
نخلص في الأخير إلى أن خطاب المبعوث الأمريكي يعكس مرحلة جديدة في الدعاية الأمريكية، تتأسس على استعراض القوة وإهانة الآخر بكل الطرق والأساليب، دون مراعاة أي شرط أخلاقي أو إنساني في إطار مشروع متكامل يروم تكريس تفوق الذات الأمريكية وإظهار أناها المثالية التي تتعاظم على الضعفاء، ولا تتردد في ممارسة القتل الرمزي في حقهم.
1. الحسين بنو هاشم، نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2014
2. شكري المبخوت، دائرة الأعمال اللغوية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2010
3. عماد عبد اللطيف، استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي، خطب الرئيس السادات نموذجا، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ـ مصر 2012
4. عوفاديا يوسف..عندما يتحول الحاخام إلى داعية كراهية، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة، 07/10/2013
5. فاطمة بنت محمد العيسي، الأفعال الكلامية في موضوع المرأة لدى شعراء النقائض، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن، الطبعة الأولى 2022
6. محمد الولي، الاستعارة في محطات يونانية وعربية وغربية، منشورات دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 2005
7. محمد جميح، الحيوان العربي في الأدبيات الإسرائيلية، صحيفة القدس العربي، 18 أكتوبر 2023
8. معجم عرب ديكت الإلكتروني www.arabdict.com
9. نص خطاب باراك أوباما في القاهرة، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة 23/05/2017
10. David Smock, Religion in World Affairs, Special Report 201 February 2008
11. Michel Meyer, Histoire de la rhétorique des Grecs à nos jours, Paris, Le livre de poche, 1999
12. Paul Chilton, Analysing Political Discourse Theory and practice, , Routledge 2004
[1] ـ عماد عبد اللطيف، استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي، خطب الرئيس السادات نموذجا، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ــــ مصر 2012، ص 89
[2] ـ نص خطاب باراك أوباما في القاهرة، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة 23/05/2017
[3] ـ محمد الولي، الاستعارة في محطات يونانية وعربية وغربية، منشورات دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 2005، ص 31
[4]ـ الحسين بنو هاشم، نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2014، ص 54
[5] ـ محمد جميح، الحيوان العربي في الأدبيات الإسرائيلية، صحيفة القدس العربي، 18 أكتوبر 2023
[6] ـ David Smock, Religion in World Affairs, Special Report 201 February 2008, P03
[7] ـ عوفاديا يوسف..عندما يتحول الحاخام إلى داعية كراهية، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة، 07/10/2013
[8] ـ Michel Meyer, Histoire de la rhétorique des Grecs à nos jours, Paris, Le livre de poche, 1999, p 11
[9]ـ www.arabdict.com معجم عرب ديكت الإلكتروني
[10] ـ Paul Chilton, Analysing Political Discourse Theory and practice, , Routledge 2004, p 48
[11] ـ فاطمة بنت محمد العيسي، الأفعال الكلامية في موضوع المرأة لدى شعراء النقائض، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن، الطبعة الأولى 2022، ص 118
[12] ـ شكري المبخوت، دائرة الأعمال اللغوية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2010، ص 193
[13] ـ نفسه، ص 192
نسعى في هذه الدراسة إلى قراءة خطاب الدعاية السياسية الأمريكية المرتبط بالآخر العربي، ونتوسل بالبلاغة لرصد تحولات هذه الخطاب وتتبع إرهاصاته التي مرت في السنوات الأخيرة بمرحلتين مختلفتين:
ـ مرحلة الدعاية الناعمة المؤسسة على إظهار المثالية الأخلاقية والترويج لإيتوس الذات الحريصة على الانخراط في منظومة القيم الكونية وما يرتبط بها من مفاهيم الكرامة واحترام حقوق الإنسان....
ـ مرحلة الدعاية للهيمنة الأمريكية المطلقة المتوسلة بالقوة التي لا ترهن نفسها بشرط القيم، وتتملى بإهانة الآخر.
ونركز على موقفين تواصليين، يرتبط الأول منهما بخطاب الرئيس الأمريكي الأسبق الموجه إلى العالم الإسلامي سنة 2009، وسنمر مرورا سريعا عليه لدواعٍ منهجية، ويرتبط الثاني بندوة المبعوث الأمريكي إلى لبنان، وما ميزها من تهجم على اللبنانيين والعرب، وسنتوسع في تحليل تفاصيله بحكم آنيته ودلالاته المؤشرة على واقع جديد.
وتأتي استعانتنا بالبلاغة لتحليل هذا الخطاب ترجمة لقناعة مترسخة ترى فيها مجسا فعالا لقياس النبض السياسي، ف"الارتباط بين البلاغة والسياسة استمر لما يزيد على ألفي سنة، وما تزال البلاغة أهم مداخل دراسة السياسة وأحد أهم أدوات ممارستها"[1].
ونتساءل بهذا الصدد: إلى أي حد يعكس الانتقال من خطاب الدعاية الأمريكية الناعمة، المؤسس على القيم الأخلاقية، إلى خطاب الدعاية للقوة والاستهانة بالآخر، تحوّلاً في البنية الحجاجية للخطاب السياسي الأمريكي الموجَّه إلى العالم العربي؟ وكيف تسهم أدوات البلاغة في كشف استراتيجيات الإقناع والإخضاع التي توظَّف في هاتين المرحلتين؟
نهجت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة أسلوبا دعائيا ناعما، تلمست فيه عناصر البلاغة والحجاج ومختلف وسائل التأثير العاطفية وآليات الإقناع المنطقية من أجل رسم صورة مغايرة للتمثلات السائدة حول عداء هذه الدولة للشعوب والأمم الضعيفة، وهو تمثل مستمَد من الأحداث والوقائع التي عرفتها وتعرفها منطقة الشرق الأوسط ( شن الحروب ـ دعم سافر للكيان الصهيوني ـ التدخل في شؤون الدول وتوجيه سياساتها الداخلية والخارجية...)، وبسبب ردود الفعل العنيفة على هذه السياسية وازدياد منسوب الكراهية تجاه كل ما هو أمريكي، استعان القادة الأمريكيون بالخطاب، وما رسوا التلطيف البلاغي من أجل إعادة تأطير هذه العلاقة وتوجيه الرأي العام العربي وجهة أخرى، تضعه في خانة بعيدة عن الصدام والمواجهة والتربص، وتسمح للسياسة الأمريكية بالاختراق وتحقيق مآربها الثابتة المتمثلة في السيطرة والهيمنة، لكنْ في صمت، أو تحت ستار ناعم، يشكل غطاء حاجبا للواقع
نستحضر في هذا السياق خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" في جامعة القاهرة في 04 يونيو 2009 الذي يُعد نموذجًا للدعاية السياسية الإيجابية المؤسسة على تشييد مصداقية رمزية، وشرعنة القيادة الأخلاقية الأمريكية، وبناء إيتوسها القائم على الاحترام العَقَدِي والثقافي للشعوب العربية والإسلامية، وإظهار الارتباط القيمي بين المبادئ الأمريكية والتراث الإسلامي، وقد انطلقت هذه الدعاية في كل ذلك من مبدإ مراعاة أفكار المتلقين ومشاعرهم وانتظاراتهم، ويبدو ذلك واضحا في هذا المقطع من الخطاب:"إننا نلتقي في وقت يشوبه التوتر بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي... لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض، ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما، بل إن لهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان"[2]، واضح إذن حرص المتحدث على التكيف على المخاطَبين من أجل استمالتهم والتأثير فيهم وعيا منه بأن"الخطيب يجب أن يكون موضع قبول عاطفي لدى المتلقي خلال بث الخطاب وتلقيه"[3].
وقد اشتغلت الآلة الدعائية الأمريكية بنشاط كبير من أجل نشر هذه الأفكار وإنجاح المسعى الدعائي الذي جعلها تصرف مليارات الدولارات سنويا على الإعلام، وتستأجر إعلاميين من داخل منطقة الشرق الأوسط لتعزيز الصورة المبتغاة وتلميعها واستقطاب الأتباع والمناصرين، والتعمية عن الحقيقة التي تُمارس أبجدياتُها خلف الأبواب الموصدة مع الزعماء، بعيدا عن الأضواء الكاشفة.
مع صعود الرئيس دونالد ترامب تغيرت الصورة تماما، فقد تخلت الإدارة الأمريكية في عهده عن هذا الأسلوب الدعائي، وكشفت وجها واحدا للسياسة الأمريكية تجاه دول المنطقة، تقوم على إظهار العجرفة، وتستغل الفرص لإذلال القادة، وإظهارهم في صورة الضعيف الخاضع لقوة السيد الأمريكي الذي يملك كل شروط التحكم فيهم، ويمن عليهم بأنه ضامنُ استمرارهم في الحكم، وبذلك لم تعد هذه الإدارة معنية بتفكيك صورة العدو، ولا بشرعنة الصورة الأخلاقية للقيادة الأمريكية، وهذا التوجه يجسد توجها جديدا قائما على الدعاية للهيمنة الأمريكية المطلقة التي لا تراعي مشاعر الشعوب العربية، ولا تلقي بالا لاستجاباتها الرافضة لهذا التوجه، لأنها ماضية في مسارها القائم على الدعاية للذات الأمريكية المطلقة التي لا تقيدها أي حواجز قانونية أو أخلاقية أو استراتيجية، وتملك كل وسائل إهانة الآخرين وإخضاعهم لسلطتها.
ما وقع أمس في المؤتمر الصحفي للمبعوث الأمريكي "توماس براك" يكرس الواقع الجديد لدعاية القوة الأمريكية السافرة، فقد ضرب بعرض الحائط كل الأعراف الديبلوماسية والأخلاقية، وخاطب الصحافيين اللبنانيين من القصر الرئاسي في بعبدا قائلا:"سلوككم حيواني وفوضوي .. تصرفوا بتحضر، لأن هذه هي المشكلة الحقيقية في ما يحدث في المنطقة".
هذا الخطاب المتعالي جدير بالدراسة والتتبع، فهو يختزل السياسة الأمريكية الجديدة، ويظهر توجهها الدعائي، والمؤشرات الآتية تكشف أبعاده الظاهرة وخلفياته ومنطلقاته.
1 ـ اختيار المكان (القصر الرئاسي اللبناني): أن يتوجه المبعوث الأمريكي بهذا الخطاب المهين إلى نخبة إعلامية لبنانية، فهذا ليس محض صدفة، بل رسالة تحمل رمزية دعائية عميقة لها أبعاد حجاجية واضحة، تنحت عميقا في تكريس منطق الوصاية، فالقصر رمز للسيادة الوطنية ولقوة القرار، واختياره لإهانة اللبنانيين وسكان منطقة الشرق الأوسط، رسالة مكشوفة بأن سلطة الولايات المتحدة الأمريكية لا ترتبط فقط بالبيت الأبيض، بل تمتد لتشمل مواقع القرار العربية، ومن قلبها تستطيع أن تمارس سلطة الوصاية على الجميع، وهنا يتحول المكان إلى أداة حجاجية ترسّخ صورة "الوصي" الذي لا تحجزه أي حواجز عن توجيه الإهانة إلى الشعوب والنخب السياسية.
وصف اللبنانيين بالحيوانيين والفوضويين في سياق مكاني له دلالاته العميقة، يضاعف الإهانة، لأنه لا يستهدف أفرادا فقط، بل يمتد ليخدش صورة الدولة، ويطيح برمزيتها السيادية، فاختيار قصر بعبدا لممارسة هذه العربدة الإعلامية يعمّق العلاقة الحجاجية بين "القول والفعل"؛ فالقول المسيء هنا ليس تصريحاً عابرا، بل فعلًا خطابياً يترجم هيمنة فعلية. إنّه يجعل من الهيمنة الرمزية واقعاً محسوساً أمام الجميع، مما يرسخ سردية الآخر الواهن الذي لا يملك إلا الخضوع للقوة الأمريكية والانصياع لقراراتها.
2 ـ اختيار الصفة: تنهض الصفات بدور حجاجي بارز، وتساهم في تجلية المعنى وتبليغه إلى المتلقي، وتختزل موقف الباث من الموصوف، فاختيار الصفة يقوم بدور مهم في الحجاج، لأنه لا يخلو من خلفية مرتبطة بموقفنا ووجهة نظرنا ورؤيتنا الخاصة لموضوع ما"[4]، وهذا ما تكرسه صفة "حيواني"، فهي تجرد المخاطبين من إنسانيتهم، وهي أداة دعائية استغلتها القوى الاستعمارية من أجل بسط نفوذها وشرعنة احتلالها للدول الموسومة شعوبُها بهذا الوصف، من منطلق الرغبة في تحسين سلوكها والارتقاء به إلى مرتبة من التحضر والإنسانية، وهذا الموقف الوصفي للمبعوث الأمريكي يمثل رَجْعَ صدى لأفكار توراتية وتعاليم تلمودية ترى في العرب وحوشا وحيوانات، "الثابت في الرواية الدينية اليهودية، وفقاً للعهد القديم وأدبيات التلمود أن النبي إبراهيم عليه السلام نفى ابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى الصحراء، لكثرة أذاهما له، وأن العرب على هذه الشاكلة، لأنهم من نسل هذا (الولد المتوحش) حسب التوصيف التوراتي.
جاء في سفر التكوين، الإصحاح 26 في وصف النبي إسماعيل «جد العرب» أنه "يكون إنساناً وحشيا، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه" وهي صورة الشخص الذي يثير الصراعات والحروب، ويدخل في مواجهات مع الجميع، مما يضطر الجميع إلى الدخول في صراعات معه، وهي الصورة النمطية للعربي والفلسطيني في المخيال الإسرائيلي المعاصر"[5]، فالأرضية التي استقى منها المبعوث الأمريكي هذا الوصف القدحي مشيدة على دعاية دينية، يحرص الحاخامات اليهود المتشددون على إشاعتها لتتركز في الأذهان، وتكون وسيلة فعالة لكل الأفعال الإجرامية في حق العرب، ومعلوم أن الدين "عامل مهم في الصراع، وغالبًا ما يُظهر اختلاف الهوية، ويعمق الصراع، ويبرر العنف"[6]، وحسبنا أن نستحضر بهذا الصدد خرجات الحاخام الصهيوني المتطرف "عوفاديا يوسف" الذي وصف العرب بالثعابين والصراصير والنمل من منطلق ديني واضح:"العرب صراصير يجب قتلهم وإبادتهم جميعا... اليهودي عندما يقتل مسلما فكأنما قتل ثعبانا أو دودة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كلا من الثعبان أو الدودة خطر على البشر، لهذا فإن التخلص من المسلمين مثل التخلص من الديدان"[7].
واضح إذن أن شتم الإعلاميين اللبنانيين ووسمهم بالحيوانيين مُسْتَمَدٌّ من قاعدة دعائية دينية متطرفة، تتغذى على العنصرية، وتنصب الذات الأمريكية والصهيونية على عرش التحضر والتمدن في مقابل همج وحيوانات لا تستحق سوى الدهس المادي والمعنوي، هذه البنية تولّد علاقة حجاجية تقوم على "التضاد" بين حالتين: حالة "الهمجية" الموصوف بها المخاطَب، وحالة "التحضر" المُحْتَفَظُ بها للذات، مما يضعنا في صلب مفارقة مُؤَطَّرَةً بالاستعلاء الذي يتمادى صاحبُه في الإهانة من أجل إظهار الهوة الكبيرة والفرق الشاسع بينه وبين المُهان، فالإهانة وفق هذا المنظور، وفي هذا السياق المتسم بالتوتر والانفعال "هي أسلوب بلاغي يهدف إلى إبلاغ الآخر بأن الهوة التي تفصل بينه وبين المتحدث أصبحت الآن غير قابلة للتفاوض. ربما يفسر هذا السبب وراء استخدام أسماء الحيوانات لهذا الغرض: فهي تشير إلى مسافة لا يمكن تجاوزها أو على الأقل لا يرغب المرء في إلغائها"[8].
أما صفة فوضوي فهي محملة بدورها بشحنة سلبية كبيرة، وترتبط بمن "يُحْدِثُ الْبَلْبَلَةَ وَيُخِلُّ بِنِظَامِ الأُمُورِ، وَيُمَارِسُ الْفَوْضَى"[9]، ولا نستطيع الإحاطة بمقصدية الباث ودوافعه في اختيار هذه الصفة القدحية إلا بالعودة إلى سياق ندوة المبعوث الأمريكي؛ إذ"لا يمكن استيعاب معنى الكلمة بصورة مقنعة بمعزل عن السياق"[10]، فالباث خصص جزءا مهما في ندوته للحديث عن نزع سلاح المقاومة اللبنانية، وهذا يُكسب الوصف بالفوضوية دلالات حجاجية ودعائية عميقة، تنصرف إلى شيطنة من يحملون السلاح وإظهارهم في صورة المتخلف عن الركب الإنساني، الزائغ عن سكة التحضر والتمدن، الساعي إلى الخراب والتدمير وإحداث الفوضى وضرب الاستقرار، مما يجعل من مطلب نزع هذا السلاح واجبا من أجل استعادة النظام وتحقيق الاستقرار.
يتغيا المبعوث الأمريكي من وراء هذا الاستدعاء كذلك وضع العالَم في صورة ثنائية ضدية صارخة التناقض، فأمريكا وإسرائيل تمثلان التحضر والتمدن والنظام والديمقراطية، والمنطقة العربية تمثل الفوضى وتتسبب في العنف، وفي هذا توجيه حجاجي، يُصنَّفُ في سياقه كل فعل مقاوم بوصفه حالة غير حضارية، تستوجب التدخل الأمريكي من أجل إعادة النظام واستتباب الأمن، وهذا التوجيه يمهد للتدخل السياسي والعسكري المكشوف، ويعطي تصورا واضحا عن المرحلة القادمة، وما ستشهده من تعزيز الإملاءات الأمريكية على لبنان والمنطقة، وفرض مسار واحد، لا تملك الأنظمة أي خيار للتنصل منه.
يستثمر هذا الخطاب إذن العلاقة السببية في الحجاج، فالفوضى كما يُروَّج لها ناتجة عن عقلية متمسكة بمواجهة إسرائيل، وهذا يقتضي محاربتها بنزع السلاح، حتى يتأتى الارتقاء بإنسان المنطقة إلى مرتبة التحضر والتمدن، وكل هذا يصب في دائرة التوجه الأمريكي الجديد المتمثل في التدخل السافر في شؤون الدول، والتمادي في إهانتها بمنطق القوة المجردة التي لا تلقي بالا للنموذج الأخلاقي الذي روجت له الدعاية الأمريكية من قبل.
3 ـ استعمال فعل كلامي مباشر:اختار المبعوث الأمريكي بعدما انتهى من الوصف أسلوب التوجيه، ووظف فعلا كلاميا مباشرا، وهذا النوع يستعمله المتحدث"إذا ما أراد العناية بتبليغ قصده للمخاطب، وتحقيق هدفه الخطابي، فضلا عن رغبته في تكليف المخاطب، بفعل ما، أو توجيهه نحو أمر معين"[11]، وقد وظف فعل الأمر في صورته المباشرة الدالة على "الإلزام: إلزام المتكلم للمخاطَب بتحقيق عمل ما يمثله المحتوى القضوي"[12]، وتوجه إلى الحاضرين بلهجة صارمة تمتزج، بالإضافة إلى الاستعلاء، بالاستحفاف بالآخر:"تصرفوا بتحضر، لأن هذه هي المشكلة الحقيقية في ما يحدث في المنطقة"، وقد حرص الباث هنا على التعميم، فالفوضى والهمجية ليستا وقفا على الصحافيين، وليستا مرتبطتين باللبنانيين فقط ، وإنما هما قاسم مشترك بين سكان منطقة الشرق الأوسط، ولذلك فالفعل هنا ينصرف إليهم جميعا، وهم مأمورون بالامتثال والخضوع والإذعان، ليحققوا مطلب الباث الملح المتمثل في فعل شيء يفتقدونه (التحضر)، فمن المعلوم أننا لا نأمر في مثل هذه السياقات بأمر متحقق، يقول شكري المبخوت بهذا الصدد:"يقتضي الأمر مقوليا السلب... ويعبر هذا الاقتضاء عن الفكرة البلاغية التي تجعل الأمر طلبا لمحصول غير الحاصل في الخارج، وعن الحدس ما قبل النظري الذي يجعل أمرك إذا أمرت بما هو حاصل مدعاة للاستغراب"[13]، والمطلوب الذي يفتقده سكان المنطقة برمتها، ويحتاجونه للتخلص من مشاكلهم هو التحضر وفق المعايير الأمريكية التي ترتبط بالانخراط اللا مشروط في المشروع الأمريكي، والخضوع لكل إملاءاته التي يأتي على رأسها رمي السلاح جانبا وإعلان الاستسلام التام للمنطق التوسعي الإسرائيلي الذي لم يعد سرا من الأسرار، بعدما تناسلت التصريحات بالحق الإسرائيلي في أراضي مصر والأردن وسوريا...
ـ استجابات الرئاسة اللبنانية ووهن خطابها الحجاجي
يمكن قراءة ردّ الفعل الصادر عن الرئاسة اللبنانية، كما ورد في بيانها: "تأسف رئاسة الجمهورية للكلام الذي صدرا عفوا عن منبرها من قبل أحد ضيوفها اليوم..."، من زاوية حجاجية تكشف ضعف البنية الدفاعية للخطاب الرسمي أمام خطاب القوة والتجبر الأمريكي المقترن بالاستهانة بالآخر واحتقاره .
ويبدو هذا الوهن جليا في اختيار الفعل "تأسف" الذي يدل على شحنة انفعالية، ولا يعبر عن أي موقف سيادي، فهو يرتبط بالحزن والألم والحسرة، وهذه المعاني تقترن بالضعيف الذي لا يملك القدرة على إدانة ما وقع، ويحجزه وهنُه عن استنكاره، ويكتفي بما يمكن أن نسميه "حجاج الإذعان" الذي يروم إطفاء غضب اللبنانيين، دون أن تكون له عواقب من شأنها أن تُسْخِطَ السيد الأمريكي، ولذلك استُعملت عبارة "صدر عفوا"، وهذا تقييم يتجاهل المقصدية السياسية للخطاب، وهو لا يروم تبرئة متحدث لا يحتاج إلى صكوك براءة من أحد، وهو مصر على التمادي في إهانته التي تعد من أركان مشروعه الدعائي المؤسس على منطق الاستقواء على الضعفاء، بقدر ما يسعى إلى تلطيف الأجواء وإرضاء اللبنانيين الغاضبين.
وصف المبعوث الأمريكي بضيف الرئاسة اللبنانية بعد كل ما حصل يعبر عن الخوف من بطش الآخر، وسلك طريق وضعه في موقعٍ محصنٍ، تجنبا للدخول في مواجهة حجاجية غير متكافئة معه.
يتضح إذن أن خطاب الرئاسة اللبنانية جاء تبريريا، بعيدا عن كل ما من شأنه أن يكسبه وسم الإدانة أو الاحتجاج أو الاستنكار، وهذا يعكس موقع لبنان وكل دول المنطقة في معادلة الهيمنة الأمريكية التي لم تعد تسمح بالخروج عن خطاب مراعاة التبعية، وترفض كل ما من شأنه التعبير عن السيادة.
نخلص في الأخير إلى أن خطاب المبعوث الأمريكي يعكس مرحلة جديدة في الدعاية الأمريكية، تتأسس على استعراض القوة وإهانة الآخر بكل الطرق والأساليب، دون مراعاة أي شرط أخلاقي أو إنساني في إطار مشروع متكامل يروم تكريس تفوق الذات الأمريكية وإظهار أناها المثالية التي تتعاظم على الضعفاء، ولا تتردد في ممارسة القتل الرمزي في حقهم.
المصادر والمراجع
1. الحسين بنو هاشم، نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2014
2. شكري المبخوت، دائرة الأعمال اللغوية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2010
3. عماد عبد اللطيف، استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي، خطب الرئيس السادات نموذجا، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ـ مصر 2012
4. عوفاديا يوسف..عندما يتحول الحاخام إلى داعية كراهية، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة، 07/10/2013
5. فاطمة بنت محمد العيسي، الأفعال الكلامية في موضوع المرأة لدى شعراء النقائض، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن، الطبعة الأولى 2022
6. محمد الولي، الاستعارة في محطات يونانية وعربية وغربية، منشورات دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 2005
7. محمد جميح، الحيوان العربي في الأدبيات الإسرائيلية، صحيفة القدس العربي، 18 أكتوبر 2023
8. معجم عرب ديكت الإلكتروني www.arabdict.com
9. نص خطاب باراك أوباما في القاهرة، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة 23/05/2017
10. David Smock, Religion in World Affairs, Special Report 201 February 2008
11. Michel Meyer, Histoire de la rhétorique des Grecs à nos jours, Paris, Le livre de poche, 1999
12. Paul Chilton, Analysing Political Discourse Theory and practice, , Routledge 2004
[1] ـ عماد عبد اللطيف، استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي، خطب الرئيس السادات نموذجا، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ــــ مصر 2012، ص 89
[2] ـ نص خطاب باراك أوباما في القاهرة، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة 23/05/2017
[3] ـ محمد الولي، الاستعارة في محطات يونانية وعربية وغربية، منشورات دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 2005، ص 31
[4]ـ الحسين بنو هاشم، نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2014، ص 54
[5] ـ محمد جميح، الحيوان العربي في الأدبيات الإسرائيلية، صحيفة القدس العربي، 18 أكتوبر 2023
[6] ـ David Smock, Religion in World Affairs, Special Report 201 February 2008, P03
[7] ـ عوفاديا يوسف..عندما يتحول الحاخام إلى داعية كراهية، الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة، 07/10/2013
[8] ـ Michel Meyer, Histoire de la rhétorique des Grecs à nos jours, Paris, Le livre de poche, 1999, p 11
[9]ـ www.arabdict.com معجم عرب ديكت الإلكتروني
[10] ـ Paul Chilton, Analysing Political Discourse Theory and practice, , Routledge 2004, p 48
[11] ـ فاطمة بنت محمد العيسي، الأفعال الكلامية في موضوع المرأة لدى شعراء النقائض، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن، الطبعة الأولى 2022، ص 118
[12] ـ شكري المبخوت، دائرة الأعمال اللغوية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2010، ص 193
[13] ـ نفسه، ص 192