الأبناء المُتخلى عنهم -- قصة قصيرة

الأبناء المُتخلى عنهم -- قصة قصيرة 


الفعل الاحتجاجي لمواطني جماعة آيت بوكماز بين أطروحة الحرمان والاتهام بالاستغلال السياسي

ـ نورالدين الطويليع

حل بالأرض الحمراء واستوطنها، بدا غريبا في البداية بملامحه التي تختلف عن سكان المنطقة، وجه أزهر وشعر أشقر وعينان زرقاوان، اتخذ لنفسه مكانا قصيا، وراح ينقب عن المعادن، بعدما تناهى إلى سمعه أن هذه الأرض غنية بثروات باطنية لا يعلم عنها أهلها شيئا، هم الذين يرزحون في خط الفقر والحرمان، ويقطعون كيلومترات، ليجتثوا جذور نباتات ، ويتخذونها فطيرا، يتناولونه بالجراد المشوي.
اكتشف الوافد الجديد كميات كبيرة من الذهب، وتزوج امرأة من أهل المنطقة، وأنجب أبناء كثرا، وتبنى أضعاف أضعافهم من القادمين من هنا وهناك بحثا عن ظل، وعن خلاصٍ من رحلة الحصول المضني عن كسرة خبز يابسة وشربة ماء لا تخالطها أجزاء الخنافس المتحللة ...
اشتغل الأبناء بالتبني والأبناء من الصلب في منجم الذهب، واستقروا بمحاذاته، وبنوا دورا فوق أراضٍ كانت خالية، وقد عمل الرجل الأبيض على توفير مستشفى لهم ومدرسة لأبنائهم، وأغرى كثيرا من الناس بالقدوم، مما حول الأرض الحمراء إلى منطقة جذب تُشَدُّ إليها الرحال من كل فج عميق.
توالت السنوات، وحدثت تغيرات كثيرة من بينها اكتساب الرجل الأبيض لونا أسمر، وإعلان أبنائه ومُشَغَّلِيه خوض إضراب طويل احتجاجا على أسلوبه المتمثل في حرمانهم من أبسط حقوقهم، وتشغيلهم في ظروف سيئة، وقد كان رد فعله عنيفا تجاههم، فضرب وعَنَّفَ كل من سولت له نفسه رفع عقيرته بالتنديد، وطرد من قادوا العصيان.
تعلق قلب الرجل الذي لم يعد أبيضَ بامرأة كانت تقيم بعيدا عن الأرض الحمراء، امرأة مُتخلى عنها، تعيش في منطقة قاحلة يتطاير غبارها، وقد باشر إجراءات الزواج بعدما استيقنت نفسُه أن حبها متمكن منه، وصار يفكر في التخلص من الزوج الأولى ومن أبنائها وأقاربها، ولم تكن المهمة سهلة، هنالك استعان بالخبراء والعارفين الذين اقترحوا عليه خطة تمتد لسنوات، وطلبوا منه التحلي بالصبر واتباع الخطوات الآتية:
-- التنازل عن ملكية المنازل للأبناء.
-- سحب كثير من صلاحيات الزوج الأولى ومنحها للزوج الثانية على دفعات، مع الحرص على تجنب إثارة الانتباه.
-- إهمال أبناء الزوج الأولى، وحرمانهم بالتدريج، المصحوب بالحذر الشديد، من الامتيازات التي منحها لهم، ونقلها إلى الأبناء الجدد.
طبق الرجل، الذي اكتسب سمرة مع توالي الأيام، الخطةَ بحذافيرها، مرت سنوات لم ينتبه الأبناء فيها إلى حالهم السيئة، وظلوا منشغلين بالعراك مع بعضهم البعض، وبالمشاحنات التي كان للأب يد فيها، فهذا يتهم ذاك بإنشاء حفرة أمام بيته ليسقطه فيها، والآخر يتهم جاره برمي المخلفات المنزلية في طريقه، وثالث يرغد ويزبد ويسب الجميع، ورابع يحرص على إذكاء النار، ويداوم على إمدادها بالحطب ليستمر لهيبها صاعدا إلى عنان السماء.
استفاق الأبناء في يوم قائظ على دوي روائح كريهة، وانبعاث أدخنة، ملأت فضاء أرضهم بسوادها المخيف، فهرعوا إلى مكتب أبيهم، ليستفسروه عن حقيقة الأمر، لكنهم تفاجؤوا به مغلقا، بحثوا عنه في كل الأرجاء، فلم يعثروا له على أثر، واكتشفوا أنهم كانوا يتامى غير معلَنين، ووجدوا من أخبرهم أن والدهم تخلى عنهم منذ سنين، وأنهم ظلموا أنفسهم حين وقعوا في غرام خصاماتهم التي لا تنتهي، ونسوا أن يطالبوا أباهم بحقوقهم التي يتوجب عليه أن يؤديها لهم، فقد أنجبهم، وأسكنهم في هذه الأرض، وكان حقا عليه أن يضمن لهم الاستقرار المادي.
ارتأى الأبناء أن يبحثوا عن مصدر الروائح الكريهة، وبعد مسير استغرق ساعتين، تفاجؤوا بأرض واسعة استحالت مدينة صناعية ضخمة، ومنوا النفس بالاستفادة من خدماتها، لكن حلمهم أُجهض في المهد، فقد اعترض سبيلهم الحراس، وطلبوا منهم الرجوع من حيث أتوا.
لماذا تطردوننا، وهذه أرض أبينا، ونحن أحق بالاستفادة منها؟ تساءل أحدهم قبل أن يتلقى جوابا مفحما من كبير الحراس: اسمعوا جيدا، هذه الأرض كانت لأبيكم، ولم تعد الآن كذلك، فقد سجلها في اسم زوجه الثانية التي أوصت بضرورة إبعاد هذه المصانع عن منزلها، ووضعها بمحاداة أرضكم، وحثت على ضرورة توجيه فوهاتها صوبكم، فلكم أن "تستمتعوا" بالمخلفات، أما "الباقيات الصالحات" فهي لأبنائها خالصة من دون الناس.
يُحكى أن الأرض الحمراء أمست مدينة أشباح بعدما غادرها كثير من أبنائها، أما الأرض الغبراء فقد أصبحت خضراء، وفوقها نُسجت قصة حب على أنقاض الخراب