هل عَدِمَتْ منظومتنا التعليمية تجارب تدريسية ناجحة؟

 هل عَدِمَتْ منظومتنا التعليمية تجارب تدريسية ناجحة؟ وجهة نظر شخصية في ضوء الردود الفيسبوكية على مداخلة أستاذة مادة الرياضيات

نورالدين الطويليع


 نورالدين الطويليع


أثارت مداخلة أستاذة مادة أستاذة الرياضيات في المنتدى الوطني للمدرس موجة من السخرية في مواقع التواصل الاجتماعي، موجة قادها منتسبون إلى حقل التربية والتعليم، مما شكل مفارقة، وجعل المعركة تتخذ منحى مثيرا، كونُها سُعِّرَتْ بنيران صديقة.


ربما لم تكن هذه الخرجة لتثير ما أثارته من زوابع وتوابع لو لم ترتبط بعناصر محددة، أولها أنها صدرت في المنتدى( وهذا سنخصص له مقالا منفصلا)، وثانيها أنها تضمنت مفردة لها أبعاد سياسية واجتماعية قدحية (أحيل هنا على تدوينة الدكتور نورالدين الزويتني)، مع أن الكلمة في أصلها اللغوي المباشر تعني الاستلقاء على الوجه أو البطن، وهذا المعنى لو عبرت عنه الأستاذة بلفظ آخر لما أثار هذه الردود، وثالثها أنها صنفت في إطار الدعاية المباشرة، وهنا أشير إلى ما ترسخ في الأذهان بخصوص هذا النوع من الدعاية، فهو غالبا ما يقابل بالاعتراض، ويوضع في سياق خدمة أجندات معينة، وهذا بخلاف الدعاية غير المباشرة التي تتوسل بطرق مختلفة لاستدراج المتلقي وإقناعه بالفكرة أو المشروع (هذا كذلك سنخصص له مقالا مفردا بحول الله).


بعيدا عن الدخول في التفاصيل، وانطلاقا من سياق المداخلة، فالأستاذة تحدثت عن تجربتها الشخصية، وعن نجاحها في تمرير تمارين دروسها، وتمكنها من خلق الشغف في نفوس تلاميذها، إلى درجة أنهم صاروا يستمرئون الحصة و يتلذذون بأجوائها، وهنا، وبعيدا عن اللغة التي تحدثت بها الأستاذة، وعن الأسلوب الذي قدمت به موضوعها، نتساءل:


من منا لم يفخر بنجاح تجربة تربوية كان مشرفا عليها؟.


من منا لم يتجاوب إيجابا مع تدوينة أو مقال إخباري عن عمل تربوي ناجح، أنجزه إطار تربوي بمؤسسته؟.


من منا لم يحكِ لزملائه وأصدقائه في المقهى أو أي مكان آخر عن حصة استثنائية مع تلاميذه، كان لها أثر جميل على تعلمهم؟


ماذا لو عكست الأستاذة الآية، وتحدثت بضجر كبير عن بلادة تلاميذها وغبائهم وقصور فهمهم، لاشك أننا كنا سنرى ردوداً مستنكرة، وسنتابع سلسلة من الحجاج بالوقائع لتجارب، سيقول أصحابها إنها كانت ناجحة، وإن تلاميذهم جسدوا النموذج والمثال في الاستيعاب والفهم والتفاعل.


لا نختلف أن منظومتنا التعليمية تعاني من مشاكل متعددة، ولا نجادل في وجود اختلالات تتطلب معالجة شمولية، لكن هذا لا يعني أن فصولنا الدراسية تَعْدِمُ نماذج متميزة في العطاء التربوي الناجح، المشكل هنا هو عدوى مسايرة المد الجارف الذي لا ندرك معه أننا نجرف أنفسنا فيه إلى المجهول، المشكل هو أننا لم نعد نثمن عملنا، ولم نعد نقدر جهودنا، وصرنا منخرطين لأسباب كثيرة في ممارسة الهدم في حق الذات، كثير منا ممن خرجوا للتندر والسخرية من الأستاذة أساتذة ناجحون في ممارستهم التربوية، مبدعون في أساليب تدريسهم، متميزون في أدائهم، لكن هناك دائما مشكل عدم تقدير الذات الذي تطور إلى عدم تقدير الآخر، وجعل النظرة تمتد إلى المنظومة برمتها في سياقٍ نطرح فيه بحدة سؤال الانتماء.


منظومتنا التربوية ليس بخير مئة بالمئة، لكنها ليست بالسوء الذي يلغي كل حديث عن تجربة ناجحة، وهنا نرجو أن تضع الوزارة في الاعتبار تثمين التجارب الناجحة في مجال التدريس، وما أكثرها، وأن تكافئ أصحابها، والأمر نفسه في مجال الحياة المدرسية، وأن تخصص فقرات لعرض هذه التجارب في المنتدى القادم، وفي موقعها الإلكتروني، وفي القنوات الوطنية، وحينها ستتغير النظرة، وسنتجه جميعا إلى تخليد تجاربنا وعرضها على الأنظار، ولن نرى متهكمين أو ساخرين أو مستهزئين، لأن التيار العام حينئذ سيكون في الاتجاه الآخر.