إلى أين تقودنا أيها القطار المجنون؟!
إلى أين تقودنا أيها القطار المجنون؟!
المصطفى سالمي
جلس (الراضي) على كرسيه يتأمل احتراق السنين والتهامها أوراق عمره، كان التلاميذ يتأملون على الشاشة نصا استماعيا يقرؤونه قراءة صامتة، ووجد صاحبنا نفسه يعود بالذاكرة للوراء سنوات خلت، وقتها كانت الطبشورة والسبورة السوداء هي أدواته لإيصال المادة التعليمية لتلاميذه، تذكر أنه حينئذ كان يتبرم من مقرر تقادم به العهد والزمن وتمدد لأزيد من عقد ونيف، كانت المواضيع قد عفا عنها الدهر. وها هو القسم اليوم قد اكتسى حلة زاهية من طلاء حديث، وأضواء ومصابيح لامعة ساطعة، ومسلاط وشاشة، وحاسوب مجاني جادت به وزارة التعليم، مثلما طبعت عشرات الآلاف من نسخ كراسات ضمت مواضيع الساعة من قبيل الذكاء الاصطناعي والشاشات الرقمية وصناع التفاهة مما كان المدرسون أنفسهم يتمنونه ويطلبونه، ومع ذلك ها هي شكوى المدرسين والتلاميذ تتعالى، فهل العيب والخلل في الوزارة أم في المناهج أم في تنزيل البرنامج التعليمي أم في التلميذ أو المدرس نفسه؟!
المؤسسة نفسها أصبحت تعج بمشاكل المدرسين مع المدير الجديد، والذي أصبح حالة مستعصية على الفهم، تذكر صاحبنا مسلسلا مغربيا عنوانه: (إنسان في الميزان)، كان بطل هذا العمل الفني حالة غريبة، فبعض الناس يقولون عنه إنه طيب وشخص صالح إلا أنه غير حازم وبدون شخصية قوية، وفي الناحية المقابلة كان مثلهم من الناس يتهمونه بالخبث والمكر، وكل فريق يسوق حججا لهذا الطرح أو نقيضه، فهل يكون السيد المدير الجديد شخصا حار ميزان الناس في أمره هو كذلك؟! الغريب في الأمر أن النقط الإدارية للسيد المدير كانت كلها علامات مكتملة في حق المدرسين بالمؤسسة، ولكن اجتماعاته كانت صدامية دائما ولا تنتهي بسلاسة وهدوء مثل المدراء السابقين، ردّ البعض ذلك إلى مشكلات في التواصل، وانعزل آخرون في أقسامهم ولاذوا بالصمت المبين.
أصبح التلاميذ أكثر عدائية في القسم ووسط الساحة، يتعالى صياحهم في فترات الاستراحة أو حين يجتمع مدرسوهم كما وقع يوم حضور اللجنة الوزارية، وقتها وصل صياحهم وصفيرهم لمسامع رئيس ديوان السيد الوزير الذي كان في زيارة للمؤسسة لتتبع سير المدرسة الرائدة ومدى نجاحاتها أو إخفاقاتها.
كانت هذه السنة مختلفة عن سابقاتها في المناخ الطبيعي أيضا، فقد تواصل انهمار الأمطار لأسابيع متتالية وبغزارة عبر ربوع البلاد طولها وعرضها، وأصبحت الأرض مكسوة باللون الأخضر لأول مرة بعد توالي سنوات الجفاف والقحط، بل وأشرقت الأرض وتزينت بألوان الربيع والزهور، ورغم برودة الطقس التي استمرت لمعظم أسابيع الموسم الدراسي فإن صخب التلاميذ تواصل واشتد وهو الذي عادة ما يقترن فقط بالأسابيع الأخيرة للسنة الدراسية وخصوصا مع بدايات الصيف، مما جعل الأمر يبدو مريبا، كان يُنظر للتلاميذ على أنهم يجمدون في البرودة مثل الثعابين المنكمشة على ذاتها فقط في الشتاء، لكن عدائيتها تنطلق مع شرارة الحرارة والقيظ. فسر البعض ذلك بآثار مدرسة الريادة الذي تمخض كالجبل فولد فأرا. وها هو النشيد الوطني أصبح يشهد خروجا عن النص حين يُشرف عليه المدير الجديد، إذ يسابق بعض التلاميذ غيرهم في تأديته، فيقع التفاوت الفاضح أو الصياح النائح. كان الجميع يؤكد ويُجمع على أن السيد الحارس العام بالمؤسسة هو النقطة الساطعة في هيئة الإدارة، كان حازما صارما، ورغم حيويته وشبابه، إلا أنه يحس ببعض التبرم حين لا يجد من يتفهم جسامة المسؤوليات الملقاة على عاتقه وخاصة من بعض أولياء التلاميذ الذين لا يقبلون الحزم والشدة الممزوجين أحيانا بالقسوة اتجاه أبنائهم، أو لا يتفاعلون كما ينبغي مع مصلحتهم.
وها هي المؤسسة تشتعل بالخلافات والمشادات مؤخرا، والموضوع القديم الجديد هو جداول الحصص غير العادلة في نظر البعض وخاصة حين أسند المدير استعمال زمن مخفف لأحد أقاربه مما اعتُبر حيفا وظلما من آخرين، كان بعض المدرسين يعتبر الموضوع غير ذي جدوى باعتبار أن مواد اللغات ينبغي أن يكون تنافس مدرسيها في المردودية لا في السعي نحو التخفيف والراحة، بينما يرى آخرون أن راحة الأستاذ دافع لعطائه في أنشطة موازية كالمسرح والشعر والخطابة... والحقيقة أن الأنشطة في المؤسسة أوشكت على الموت المطبق منذ سنوات خلت، فلا التلاميذ متحمسون كالسابق ولا المدرسون قائمون بأي نشاط ترفيهي من قبيل مسابقات تحدي القراءة أو الرحلات الثقافية الترفيهية باتجاه معالم البلاد التاريخية والسياحية، ولم يعد أحد بالمؤسسة يسمع عن ملتقى شعري أو معرض فني، وكيف ينسجم ذلك مع ساعات العمل المتمددة على طول الأسبوع، حصص كاملة انعكس مفعولها على نفسيات المدرسين فاشتدت عصبيتهم وانفعالهم خاصة في ظل اكتظاظ الأقسام بالتلاميذ، ومنهم مستعطَفون محبطون. وربما تكون للمدرسة الرائدة دورها في شحن الأساتذة أكثر وخاصة مدرسي اللغات. هؤلاء يقضون جل وقتهم في تعبئة خانات الكفايات بمنظومة مسار، وفي تحميل الدروس في شرائح يتأخر عرضها وتنزيلها على المنصات الرقمية. هكذا أصبحت نفسية المدرسين مأزومة لا حديث لهم إلا عن الترقيات المجمدة منذ سنوات، وبدل الإفراج عن الحقوق المادية والإدارية المشروعة للمدرسين تكرر الوزارة على مسامعهم الحديث عن الحوافز التشجيعية من قبيل درع التميز والشواهد التقديرية الورقية.
كانت هذه الأصداء تزيد من احتقان الأجواء في مؤسسة ضُرب بها المثل في الإقليم في السنوات الأخيرة قبل أن يتسامع الناس بمصطلح مدرسة الريادة وقبل حلول السيد المدير الجديد. حقا لقد تزينت الجدران والفصول بالألوان، وحقا اختفت الطاولات المتآكلة وحلت محلها أخرى جديدة براقة، لكن المخبوء كان كالسوس الذي استوطن قلوب المدرسين والتلاميذ والإداريين على السواء. أصبح الكل يجر الخطى نحو هذه المؤسسة التعليمية التي تبدو رويدا رويدا كسجن كئيب زينه السجانون ببريق خادع، وأصبح الجميع يعدّ الزمن عدا منتظرين ساعة الفرج إما عطلة بينية قصيرة، أو عطلة صيفية متوسطة الأمد، أو تقاعدا نسبيا يرونه بعيدا وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، فسنوات عمر المرء يلتهمها مارد عملاق جعلها تتساقط كأوراق الخريف، تلاشت منها خاصية البركة فأصبحت عمرا يحترق كما تفعل النار بالهشيم.