"التعليم عن بعد" دواء ضر من حيث أراد النفع (4)


كتبه: مفتاح صيلاني
أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي

بسم الله الرحمن الرحيم؛ وبعد؛
فقد تكلمت في المقالات الثلاث السابقة على بعض مشكلات "التعليم عن بعد" الذي شرعت الوزارة في العمل به منذ توقيف الدراسة بالمؤسسات التعليمية. ويمكن تلخيص تلك المشكلات كما يلي:
- تشجيع المتعلمين على استعمال التكنولوجيا في غير التعليم.
- الضرر البدني والنفسي لأدوات التكنولوجيا على المتعلمين.
- تعميق معاناة الأسر المتوسطة والفقيرة ماديا ونفسا، في سبيل توفير التكنولوجيا لأبنائها.
- جعل "التعليم عن بعد" مرادفا لـ"لتعليم من البيت"، واللامبالاة بالوضع النفسي والمادي للمدرسين.
وسأعمل في هذا المقال على طرح مشكل آخر، يتمثل في:
- "كيل الوزارة بمكيالين، ومساهمة المدرس في تكريس عدد من السلبيات"
فأقول:
لقد تم فتح تكوينات لفائدة هيأة التدريس، الهدف منها جعل المدرسين قادرين على استعمال التكنولوجيا اللازمة للتعليم عن بعد، وإنتاج موارد رقمية تعليمية-تعلمية...؛ وهذا أمر جميل، ولو أنه جاء متأخرا جدا.
ولكن السؤال الذي أريد طرحه هو: لمن هذه الموارد؟
الجواب المتوقع: للتلميذ طبعا.
السؤال في جوهره هو: من المستفيد من إنتاجها، هل هو التلميذ حقا؟
أولا، لا ينبغي أن يخفى عليك، بإن إعداد مورد رقمي واحد (درس، جزء منه، أنشطة داعمة...) ذي جودة، ويحقق الهدف المنشود منه (تثبيت مهارة، معارف ومعلومات، تقويمات...) – ليس أمرا سهلا: فهو يتطلب الكثير من العمل، والعديد من الدورات التكوينية، التي يلزمها وقت الوزارة في سباق معه. ومنه سيتعين عليك الاجتهاد بنفسك؛ وهذا يعني العمل وقتا طويلا، وبذلَ مجهود كبير...
والواقع، أنك لا تملك الوقت لذلك (دون الحديث عن عدم منحك المعدات اللازمة)، حيث سرعان ما ستطلب منك الإدارة مدها بالتقرير المرحلي لعملية "التعليم عن البعد"، وسيكون عليك أن تدلي فيه ما أعددته من موارد، خصوصا أنه تم تكوينك لتقوم بذلك (...Teams/H5P/PPT) واللائحة مفتوحة!
ولكن لا تقلق، لن تُشترط الجودةُ في ما أعددته من موارد رقمية، لأن تفكير ومنطق المسؤولين في هذه الظرفية هو: "غير دير للي كان.. المهم نقولوا راحنا خدامين فالتعليم عن بعد، أو راه غادي مزيان".
بالطبع، هذا هو منطقهم، وقد شارك معهم الأساتذة في صياغة هذا المنطق، وفي الرفع من الأرقام؛ فتجد مسؤولا بربطة عنقه التي يتجاوز ثمنها الراتب الشهري للأستاذ - يخرج في وسائل الإعلام، أو يصدر بلاغا يقول فيه بنبرة ملؤها الثقة:
"لقد عملت الوزارة على إنتاج كذا ألفا من الموارد، وعدد التلاميذ المستفيدين هو كذا من مئات الآلاف..." وبالطبع، لن ينسى الأساتذةَ من الثناء الواسع والشكر الشاسع.
وبهذا تكون الوزارة قد نجحت في (توفير) الملايين المخصصة في إطار "مشروع الدعم المؤسساتي الرقمي" وفق الرؤية الاستراتيجية، واستغلت الأستاذ الموظف المديون، وغطت كل هذا وغيره ببضع تكوينات؛ في حين كان عليها الاهتمام بالمتعلم: كيف يصل إليه ذلك المورد الرقمي ويستفيد منه؟ وبالأستاذ قبله: ماذا يلزمه أولا من معدات وتكوينات ليساهم في إنتاج المورد الرقمي؟ وهذا منذ سنوات وليس الآن.
أجل.. لن تكون الجودة مطلوبة في هذه الظرفية، كما هي مطلوبة في مباريات "إنتاج حزم موارد رقمية" التي تعلنها الوزارة كل سنة، والتي تؤكد على ضرورة استيفاء المورد الرقمي كذا وكذا وكذا... من الشروط حتى يُقبل ويحصل صاحبه على الجائزة!
[بل حتى هذه المباراة، تبقى قصيرة الأفق، تهدف إلى إنتاج عدد قليل من الموارد وتتويج بضع عشرات من الفائزين (36)، ولا تستهدف فعلا خلق قاعدة حقيقية للموارد الرقمية].
ومنه، يظهر بجلاء سياسة (أو اللاسياسة) الكيل بمكيالين:
مكيال وقت الرخاء: "ها شروط المورد الرقمي يا أستاذ إلا بغيتي تحصل على جائزة".
مكيال وقت الشدة = "غير دير يا أستاذ للي درتي، راه مزيان" تصفيق!!
والمؤسف في الأمر، والخطير أيضا، أن الأستاذ يشارك في صياغة هذا الواقع الجديد، الذي يمكن أن تضع له ما شئت من العناوين الدالة على السلبية، أهونها: اللامسؤولية، والتزييف، والاستغلال، واللامساواة،.. وإلا فلائحة النعوت طويلة، لا توحي إلا بحاضر مظلم، لن يكون غده إلا مظلما مثله... نسأل الله العافية.
انظر المقالين السابقين من هنا: