تَذَكّرْ وأنت في زمن كوفيد التاسع عشر ما فعلته بوطنك في الماضي القريب

تَذَكّرْ وأنت في زمن كوفيد التاسع عشر ما فعلته بوطنك في الماضي القريب

 ـ نورالدين الطويليع

يقول الشاعر:
 تسألني أُمَّ الخيار جَمَلاً       يمشي رويدًا ويكون أولا
        لا أجد توصيفا لحالنا الآن، ونحن نندب حظنا العَثِر في تنمية هاربة أيقظتنا من سبات الغفلة عنها ضرباتُ كوفيد التاسع عشر القاتلة، لا أجد سوى هذا البيت الشعري الذي يضعنا صاحبُه في صلب مفارقة مُحَيِّرَةٍ تتمثل في طلبٍ غريب جمع بين ضدين لا يجتمعان: بطء السير، والحلول في المرتبة الأولى.

        تَذَكَّرْ عزيزي المواطن، وأنت تطالب الآن جمل الحكومة ليكون أولا في الصحة والتعليم والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية، تذكر أنك ساهمت بقليل أو كثير في ما آل إليه وضع هذا الجمل من حالٍ جعلته وئيد الخطو، لا يستطيع في هذه اللحظة التي تستلزم الركوض أن يركض مع الراكضين، ولا حتى أن يسرع الخطو.
      تَذَكَّرْ أنك شددت الرحال إلى مهرجان موازين، وصفقت وتزاحمت، في وقت كان يدعو فيه عقلاء الوطن إلى تحويل ميزانيته الضخمة إلى بناء مغرب الصحة والتعليم والتماسك الاجتماعي، تذكر أنك كنتَ تحبط جهودهم، لأنك شكلت رقما كبيرا حاجَجَ به المنظمون، وقالوا إنهم  فعلوا ما أراده الشعب واطمأن إليه، وأنهم  يسعون إلى إسعادك وإدخال البسمة عليك، وما حجك من كل فج عميق إليه إلا تعبيرا عن الاستجابة لادعاء الفرح الكاذب الذي عرفت الآن فقط أنه كان كذلك.
      تَذَكَّرْ أنك بعتَ صوتك بدراهم معدودة، وكنتَ في نفسك، وفي وطنك من الزاهدين وأنت تصوت على اللصوص والمجرمين، وتمنحهم تأشيرة المرور على جثتك، وتعطيهم سكينا حادا لِنَحْرِ الوطن، تذكر أنك شاركت في حملاتهم، ودافعت عنهم باستماتة، ليس إيمانا بمشروعهم، ولكن لأن لك في ذلك مآرب أخرى  لا تخرج عن تمويل ليالٍ حمراءَ، وعن وريقات كنت تعرف وأنت تتسلمها أنها مقابلٌ متسخٌ لخدمات مُدَنَّسَةٍ تطعن الوطن من الخلف.
      تذكر أنك منحت صوتك لمن دغدغوا مشاعرك الدينية بِحَمْلِ سُبْحَةٍ ومصحف، وأنك دافعت عنهم دفاع عصبية جاهلية، ولسان حالك يقول: "أنا مع أخي ضد ابن عمي"، وحتى بعد أن قطعوا خيط السبحة، ومزقوا المصحف، ظللت حاملا شعار النصرة الأبدي، ونسيت أن الوطن أكبر من الجميع، وأن الولاء لا يكون إلا له، وأن حُكْمَ من زَلَّ عن محجته البيضاء أن يُلْقَى في مزبلة النسيان، ومن تنكر لوعوده، وغَيَّرَ وجهه جزاؤه أن تُرَدَّ له صفعةُ القفا بصفعة على الوجه.
     تَذَكَّرْ أنه في وقت كانت فيه حناجر الأحرار تصدح مستنكرة نهب المجالس المنتخَبَة للمال العام، كنت تمني النفس بأن تنال عَظْمًا به بقايا لحم نَتِنٍ أتوا عليه، وكنت أنت الحارس الأمين الذي يرابض في الليل والنهار بمواقع التواصل الاجتماعي ليأتيهم بخبر المشوشين والمشاغبين طمعا في فتات مائدة اللئام.

    ليست غايتي أن أنكأ الجراح في زمن كوفيد التاسع عشر، ولكنه ارتداد إلى الوراء للتذكير، ولأخذ العبر والدروس حتى لا تعود حليمة إلى عادتها اللعينة بعد رحيل هذا الذي صفعنا بلا رحمة، وذَكَرَنا بهواننا، وزلاتنا التي لا تغتفر،  وأخطائنا الجسيمة في حق الوطن. 

اقرأ أيضا :

 الحب الكاذب والكراهية الصادقة في زمن كوفيد التاسع عشر