المدرسة الرائدة: هل تكون مثل سابقاتها من مشاريع الإصلاح التعليمي بالمغرب؟
المدرسة الرائدة: هل تكون مثل سابقاتها من مشاريع الإصلاح التعليمي بالمغرب؟
المصطفى سالمي
سال كثير من الحبر بخصوص المدرسة الرائدة في السنتين الأخيرتين بين مستبشر مبتهج وآخر متشائم سوداوي النظرة والتوقعات. وحل الموسم الدراسي 2025/ 2026 لتشرع الوزارة في تسريع المشروع الإصلاحي الجديد الذي يُراد له أن يكون قاطرة إصلاح ومعالجة لمشكل التعثرات ومحاربة الهدر وبلسم علاج للاختلالات في التعلمات الأساس كالقراءة والكتابة والحساب، وأيضا من أجل رقمنة المشهد التربوي وتجويد المنظومة وخلق فضاء جذاب للتلميذ، وكلها شعارات ستكون طبعا موضع ترحيب من المدرسين وأولياء التلاميذ، وحتى من المتعلمين خاصة بعد أن أعيد طلاء المؤسسات وتزيين حجرات الدراسة بألوان جذابة وطاولات براقة، وتأثيث القاعات بالمسلاط وشاشة استقبال وتوزيع الحواسيب على المدرسين ونسخ وطبع ملايين الكراسات التعليمية وتوزيعها مجانا على المتعلمين...
وبدأ المشروع يرى النور مع بداية هذا الموسم الدراسي، وكانت الخطوة الأولى هي عمليات الدعم والمعالجة، والتي استمرت زهاء شهر ونصف، وَوَضعَ أولياء التلاميذ أياديهم على قلوبهم، فالبداية نظر إليها الكثير منهم بريبة وشك، جمل متراصة وأسئلة سطحية تُطرح على تلميذ الإعدادي الأحرى أن يكون مكانها الطبيعي هو سلك رياض الأطفال أو السلك الابتدائي. ثم تدرج الأمر إلى فقرات ثم نصوص قصيرة في انتظار أن تليها نصوص طويلة، ويتخلل كل ذلك تقييم، أسئلة كتابية وشفهية وروائز دعم قبلي وبعدي وتصحيح وبطاقات تقنية لا تنتهي، تعب لا أول له من آخر، ورغم انبهار التلميذ في البدايات إلا أن الانطباعات الأولية ذابت وذاب معها الإعجاب وبريق الانتظارات والتوقعات، ليجد المتعلم نفسه مثل رضيع بدأ يزحف على أطرافه، وحين أوشك على النهوض على قدميه لأول مرة في حياته، توقف عن ذلك بتوقف الدعم على عتبات النصوص القصيرة، وقبل الوصول للطويل منها. ولم يتم استكمال كراسة الدعم والمعالجة ليجد الجميع أنفسهم أمام بداية محطة جديدة هي التعليم الصريح، وهكذا وُزعت كراسات جديدة، وأُعيد توزيع المتعلمين على فصول جديدة هي فصولهم الأصلية في لوائح المؤسسة، وكان ذلك مثل إعادة ترتيب أوراق اللعب، وبدأت عملية أخرى مختلفة، شرائح دروس هي صور متلاحقة ووضع علامات اختيار أو وصل بسهم، تعددت عناوين الدروس، وتاه المتعلم والمعلم بين المحطات والمراحل والوحدات والدروس، ومن فهم المسموع إلى فهم المقروء إلى الظاهرة اللغوية إلى التحدث والإنتاج الكتابي... ومن الأهداف المعلنة إلى الكفايات، ومن الإلقاء إلى إشراك المتعلم في عمليات جماعية مشتركة أو مستقلة، ومن فهم مباشر إلى آخر استنتاجي، وتعددت طرق تقييم أداء التلاميذ من فروض كتابية إلى شفهية إلى منزلية ( في الأسدوس الثاني بالنسبة للصنف الأخير) ليجد المدرس نفسه مستنزفا أكثر وأكثر، وتنتقل اللجان الوزارية بين المؤسسات للاطلاع على ظروف الاشتغال ومدى تطور العملية ودرجة تحسنها وأسباب التعثرات المحتملة، وأكون محظوظا باجتماع مع لجنة وزارية ضمت مدير ديوان الوزير الذي استمع للمدرسين ومشاكل العمل، وكان الإجماع على أن المدرس هو محور العملية وهو من يئن ولا من مجيب، فالإصلاح مطلوب دائما، والتغيير سنة الحياة، لكن التنزيل تشوبه شوائب عديدة، من أخطاء في الكراسات، إلى محتويات غير متناسبة أحيانا‘ إلى مطالب فوق المستطاع، فكيف لك أن تُطاع؟!
وشبه أحد المدرسين الوضعية بقصة الفيل والنملة حين شاهدها تعمل باجتهاد ومثابرة دؤوبة، فقال مع نفسه: هذه تعمل لوحدها وتحقق المردودية، فكيف إذا تم وضع جهاز مرافق ومساعد وموجّه لها؟! فجاء بفريق سكرتارية من أربع ذبابات، وجاء بسعاة بريد هم خمسة غربان، ومخططين استراتيجيين هم ستة سلاحف، وطولب من النملة أن تُحصي خطواتها في كل يوم، مع إحصاء الحب والأوراق والأعواد، كلٌّ واحد في ملف خاص، فانشغلت النملة بالعدّ وتناقص لديها وقت العمل، وقلت المردودية، فعمد الفيل إلى التفكير في ترشيد نفقات فريق العمل، وكان أول قرار اتخذه هو إدانة النملة بتوقيفها لتخاذلها في عملها.
هكذا تم شغل وإجهاد المدرسين في عمليات رقمنة يرونها عقيمة مملة وخاصة عملية مسك الكفايات التي هي ثمانية عشر كفاية لكل تلميذ، بنقرات يُضرب عددها في حوالي أربعين تلميذا لكل قسم بمعدل ستة أقسام، لتصل النقرات إلى أزيد من ثمانية آلاف نقرة على لوحة الحاسوب في المرحلة الواحدة، إنه عذاب سيزيف مع صخرته الملعونة.
هذا دون الحديث عن باقي الفروض والاختبارات وعمليات تقييم الأنشطة المندمجة التي فيها أرباع النقطة كأننا نحصي التركة للهالك في نظام المواريث، ولم يتبق إلا مطالبة المدرس بإحصاء نجوم الشتاء ونجوم الصيف، وبعدها إحصاء الشعر الأبيض الذي ينبث في ثنايا رأسه والشعر الأسود والشعر المتساقط أن أبقت له الريادة لبدة من الأصل.
وأما تحميل الدروس أو الشرائح فتلك قصة أشبه بالخيال، فعلى المدرس انتظار يوم الأحد ليتلقى ضالته المنتظرة من رابط (درايف) وعليه قراءة المحتويات وفهمها وتصحيحها وتمثلها ذهنيا لتحويلها لمادة وظيفية يمكنه الاشتغال عليها صبيحة يوم الاثنين وما بعده، فلتنم هانئ البال سيدي المدرس مع أحلام سعيدة بدروسك الجديدة تنعم بامتصاص عصارتها كما تفعل المجترات من الإبل والغنم والأبقار والماعز فأمامك وقت قصير للتمثل المعرفي كما تفعل النباتات مع التمثل الضوئي.
طبعا لن نتحدث عن المعيقات الصغرى مثل انقطاع الكهرباء ببعض المؤسسات التعليمية لعوامل مختلفة، فيقع المدرس في حيص بيص، لأن المسلاط والحاسوب يعملان بالكهرباء، والتوقف يعني العودة للسبورة والطبشورة والعمل من جديد بالطريقة التقليدية البدائية، وأما المحتوى فهو متأرجح بين مضامين جديدة آنية كالذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي.. وبين دروس عفا عنها الزمن لأنها متكررة درسها التلميذ في الابتدائي، كالاسم الموصول واسم الإشارة يعود تلميذ السنة الثانية إعدادي لدراستها بعد أن درسها في الأولى في النظام السابق، وكالاستثناء يدرسه تلميذ الثالثة إعدادي بعد أن درسه في الثانية في النظام التعليمي السابق، ونفس المشكل في أسابيع الدعم والمعالجة حين تشابهت محتويات كراسات الأولى والثانية والثالثة إعدادي في مادة اللغة العربية إن لم أقل تطابقت وكأنما لا فروق في المستوى بينها جميعا.
ويبقى المشكل الأكبر هو أن التلميذ في المدرسة الرائدة ومع مرور الوقت وانقضاء الأسابيع والشهور يصبح عاجزا عن تحرير نص قصير، لأنه يكتفي طوال الحصص بوضع علامات أو يختار من متعدد أو يصل بسهم، فالكتابة محصورة في حصص معدودة كالإنتاج الكتابي، والمشاركة التعبيرية مقتصرة على حصة التحدث، مما يجعل القلم عند المتعلم لا يعبر بانسيابية وحركية كالسابق، بل تتجمد الأصابع وتتحجر المخيلة تدريجيا رغم بريق المواضيع وجدتها في المدرسة الرائدة، وهنا في هذا المقال ركزت على مادة العربية باعتبار التخصص وكونها قاطرة لباقي المواد ومادة تفتح لأنشطة موازية كالمسرح والشعر والخطابة.
وتبقى الأسئلة الكبرى: هل التبسيط المستجد في كراسات المدرسة الرائدة هو سطحية وارتجال أم مشروع إصلاح حقيقي لإنقاذ أجيال من فئات عريضة يهددها الهدر المدرسي والتخلف عن الركب؟ وهل فعلا ــ وكما يُشاعُ ــ يُراد التضحية بالعباقرة من التلاميذ على قلتهم لصالح قطعان جديدة من التلاميذ في إطار نظرية القطيع الذي يردد نفس الإجابات الجاهزة في المواقع الرقمية دون تمحيص أو اجتهاد وإبداع؟
