المدرسة و الأسرة :الأدوارالمتقابلة
المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين جهة الشرق

تقديم:

لا بد من القول وبكل التأكيد، بأن هناك إجماعا في جميع المجتمعات حول قيمة المدرسة،وعلى ضرورة تواجدها في المجتمع ،اعتبارا لوظيفتها التربوية والقيمية والأخلاقية ، ولأدوارها التعليمية و لمهامها المعرفية.....
فالمدرسة هي ﺍﻷﺴﺎس ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺴﺘﻨﺩ ﺇﻟﻴﻬا ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓـﻲ تكوين وإعداد ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ اجتماعيا،ﻭ في  ﺒﻨـﺎﺀ ﺍﻟﻤﻨﻅﻭﻤـﺎﺕ التعليمية والتربوية والأخلاقية وﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻴﺔ .
 والمدرسة هي في حد ذاتها مؤسسة اجتماعية،فهي بجانب الأسرة  مهامها  هي ا ﻟﺘﻨﺸﺌﺔ للأفراد ، وتطبيعهم بثقافة المجتمع.فهي تعمل على بقاء واستمرار المجتمع ،وعلى تماسكه من خلال الحفاظ على قيمه الكبرى الايجابية منها خاصة ،و العمل على انتقال هذه القيم  عبر مختلف الأجيال[1] .
فهي مؤسسة حيوية تمثل الرهان والطموح لكل مجتمع يطمح إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والانخراط  الفعلي في مجتمع المعرفة .

المدرسة:المهام والوظائف

إن المدرسة بهذا الوصف هي وحدة ونسق كلي تعليمي و تكويني وتربوي وقيمي،وفضاء مجتمعي ،مهامه التنشئة والتربية والتكوين والتأهيل  فهي تعمل إلى جانب الأسرة ،وتقاسم  باقي فعاليات ومكونات المجتمع من اجل تحقيق هذا الهدف   وهو تنشئة الأبناء، والعمل على رفع قُدراتهم ومهاراتهم في شتى المجالات، والعمل على تيسير إدماجهم في المجتمع. 
 إضافة إلى مهامها التربوية والقيمية والاخلاقية فهي  قناة للمعرفة ،وأداة للتعليم ووسيلة للتربية ،فهي تؤدي أدوارا  ووظائف معرفية، وتربوية متعددة ومتنوعة في المجتمع الذي تتواجد فيه، إضافة إلى تأثيرها وفعاليتها  وحضورها القوي والفاعل في جميع المؤسسات المجتمعية .[2]
هذه  الوظائف المترابطة والمتعددة التي تؤديها المدرسة في المجتمع  يؤهلها  لان تظل فاعلة ومنفتحة على المجتمع في حركيته وتفاعلاته وتطوره، كما يؤهلها على التواصل مع جميع قطاعاته وأقطابه ومجالاته الحيوية.

-المدرسة:الأهمية والموقع:

تبعا لهذه الاعتبارات فقد أكد كثير من الدارسين في علم النفس ،وعلم الاجتماع بان التربية هي التي تشكل هوية المجتمع،وهي الفعل المؤسس والمؤثر المباشر في مؤسساته التي منها مؤسسة المدرسة .
وبالتالي فان العلاقة بين المجتمع والتربية هي علاقة متشابكة ومتداخلة ومركبة،فالتربية لها من القدرة والفاعلية والفعل والتأثير على  تغيير القيم والسلوكات المعهودة  والسائدة في المجتمع .
لان من ابرز مؤسسات  التنشئة و التربية هي المدرسة التي تعتبر بحق مؤسسة اجتماعية تربوية مهامها إعداد الناشئة للمستقبل، والمساهمة المستمرة والدائمة في انتقال تراث المجتمع عبر الأجيال حفاظا على بقائه و صونا على استمراريته وتحقيقا لديمومته....
تعد المدرسة من الفضاءات الحيوية فهي  تقوم بتربية الفرد،وبتكوينه من أجل تحقيق النقل النمائي لهذا الفرد الذي يكون في البداية طفلا ثم ينتقل هذا الطفل إلى الروض ،ومن الروض إلى المدرسة،ومن المدرسة إلى المجتمع. إضافة إلى وظيفتها    الإدماجية ،  في التطبيع الاجتماعي والمؤسساتي ،فهي شريك فعلي  للأسرة في هذه الأدوار والمهام  المتعددة.....[3].
فالمدرسة هي وسيط، تشكل مرحلة انتقالية حاسمة وأساسية في حياة المتعلم ،فهي معبر وممر لنقل الفرد من الأسرة إلى المدرسة ومن المدرسة إلى المجتمع.....  .
فالمدرسة  بهذا الوصف هي نقيض للجهل والأمية ،فقيمتها في المجتمع تتحدد  فيما تحققه وتقدمه من قيم  معرفية وتربوية للمجتمع ، بحيث  لا نجد  أي مجتمع يدعو علنا أو خفاء إلى رفض  المدرسة، أوالى  التخلي عن أدوارها ، أو إلى التقليص من وظائفها ومهامها التربوية والاجتماعية والقيمية،لان المدرسة  هي  في نهاية الأمر   احد ركائز التنمية والتقدم  ،ومحاربة الجهل  والتقليص من نسب الأمية المرتفعة اليوم  في المجتمع الإنساني بصفة عامة.
هذه القيمة التي عليها  المدرسة اليوم  المرجع  والسند فيها هو كون المدرسة  جزءا ووحدة  من المؤسسات الاجتماعية التي منها يتركب المجتمع،فهي تتأثر وتؤثر في المجتمع ،بل هي جزء أساسي من المجتمع. [4]
ولا أدل على هذه الأهمية من ظهور علم يسمى بعلم اجتماع المدرسة، وهو من فرع علم الاجتماع العام موضوعه إبراز وإظهار العلاقة المتبادلة والتشاركية بين المجتمع والمدرسة..[5].

-المدرسة  والتحول في الوظائف والأدوار

لكن  اكبر تحول طرا على المدرسة وعلى وظائفها في الآونة الأخيرة  ،هو تحولها وانتقالها من فضاء  لنقل المعرفة، و لترسيخ القيم الإيجابية في المجتمع  والقيام بالتربية وبالتنشئة الاجتماعية ، من خلال دمج الفرد في المجتمع وتطبيعه بالقيم الايجابية،إلى فضاء مثقل بالمشاكل  اليومية و حامل لاكراهات المجتمع  ولانتظاراته الآنية واختياراته المستقبلية خاصة في تحقيق الشغل  و العيش الكريم  لأفراد المجتمع.
إن تحول هذا  الفضاء من فضاء تربوي معرفي ينتج القيم ويسعى إلى إدماجها في المتعلم إلى فضاء يحمل اكراهات المجتمع وانتظاراته في التنمية والتقدم والشغل ، ما يعني أن هذا  المشكل  يعد  تحديا للصورة الذي أخذت تعرفها المدرسة اليوم في  جميع المجتمعات بما في ذلك المجتمع المغربي....[6].
بحيث كشفت مجموعة من هذه الدراسات والبحوث والتقارير في علم اجتماع المدرسة عن التراجع الخطير،وعن التحول الكبير في المنتوج المعرفي والتربوي والقيمي للمدرسة المغربية والعربية بصفة عامة.[7]
فلم تعد المدرسة ذلك الفضاء الذي يلبي حاجيات المجتمع ويحقق رهاناته في التنمية والتحول الاجتماعي و الارتقاء الاقتصادي وتحقيق التسلق الاجتماعي  للأسر الفقيرة ،وإنما تحولت إلى  فضاء مثقل بالمشاكل والاكراهات والتحديات.

الأدوار الجديدة للمدرسة

تجمع جميع البحوث والدراسات الجديدة المرتبطة بوظائف المدرسة  على اختزال وظائفها في:
-الوظيفة التربوية
الوظيفة التاهيلية  الإدماجية.

-الفضاء الرقمي الأثر والامتداد على المدرسة

إن اكبر ثورة  معرفية عرفتها الإنسانية اليوم هي الثورة الرقمية التي عملت على انتقال الإنسان من التواصل  بالكلمة إلى التواصل بالصورة،وقد أحدثت هذه   الثورة الرقمية تأثيرا كبيرا على التعلم و التعليم وعلى مهن التدريس ، من خلال ما قدمته من خدمات مست بشكل مباشر أطراف ومكونات العملية التعليمية الأساسية  لا سيما المتعلم ،مما جعل الاستغناء عن هذه الوسائط أمرا متعذرا إن لم نقل مستحيلا.[8]
وقد جاءت هذه  الثورة الرقمية منذ أن دخلت البشرية عصر الإنترنت وما صاحبها من  تطورات وتحولات في قطاع تكنولوجيا الاتصال، ووسائل نشر المعلومات وتداولها بشكل أيسر وأسهل وأسرع في المجتمعات المعاصرة ،إذ أصبح الاتصال الرقمي فاعلا رئيسيًا  في مختلف مناحي الحياة. فتغلغلت وسائل الاتصال الرقمي في تفاصيل وفروع الحياة اليومية للإنسان ، كما اقتحمت هذه  الوسائل  المجالات  والفضاءات الحيوية لا سيما الفضاءات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية وبالأخص الفضاءات التربوية.
يعني هذا أن هذه الوسائط الجديدة أصبحت جزءا من حياة المتعلم ، فهي لها الأثر القوي والحضور الفاعل والتمكين السريع  في حياة المتعلم اليومية،مما بات لازما وضروريا استثماراتها والاستفادة من نتائجها ومن أثارها واستغلالها في حصص تقديم المعارف والموارد التعليمية الأساسية للمتعلم ،أو في حصص  التقويم والدعم ، أو حتى في حصص الأنشطة  الصفية أو الخارج الصفية  المتعلقة  بدعم التعثرات  والتقليص من الصعوبات التي تصاحب  وتلازم عملية  التعليم والتعلم .
ومما يعزز ويوسع  من استخدام هذه الوسائط والتقنيات الجديدة ويوسع من مجال حضورها واستخدامها في ميدان التربية والتعليم ،هو أن هذه الوسائط تعد من ابرز المستجدات التربوية التي تعرفها المنظومة التعليمية في العالم العربي  وفي العالم  في السنين الأخيرة.
ومن  الاعتبارات التربوية  المشجعة والسياقات المحفزة في هذا الاستثمار والتقريب، هو أن  السياق التعليمي في العالم اليوم يعرف اتساعا متزايدا وطلبا ملحا في الدعوات الداعية إلى اعتماد هذه التقنيات والوسائط الجديدة والعمل على استثمارها وإدخالها  في التعليم  بصفة عامة  .
إذ دلت و  كشفت الأبحاث الميدانية  والبحوث التدخلية التي أجريت وأنجزت  في عدد من  الجامعات  عن الإمكانيات العلمية  الكبيرة  التي تحظى بها هذه الوسائط في تحقيق أهداف التعليم والتعلم ،وفي تنمية شخصية المتعلم  بمختلف  فروعها   معرفية كانت أو سلوكية أو مهارية، وهي الإمكانيات التي  تفوق بكثير من إمكانيات الطرق المعهود ة  و المألوفة في مجال التربية و  التدريس والتعليم.[9]

-تحولات في وظائف المدرسة

  مما يدل   أن اكبر  تحول   طرا على المدرسة وعلى وظائفها  في الآونة الأخيرة  ، هو تحولها وانتقالها من فضاء  لنقل المعرفة و ترسيخ القيم الإيجابية والقيام بالتنشئة الاجتماعية ، من خلال العمل على دمج الفرد في المجتمع ،إلى فضاء مثقل بالمشاكل اليومية و حامل لأهم اكراهات  المجتمع  وانتظاراته الآنية و المستقبلية في البناء والتنمية.
ما يجعلنا نصرح بأن المدرسة بمفردها لا يمكن أن تؤدي جميع هذه الوظائف  بدون تدخل مباشر وفعلي لجميع  المتدخلين والشركاء والفاعلين في العملية التعليمية ،  بل لا بد من مشاركة فعالة بين جميع الأقطاب  والعناصر والمكونات المتدخلة في العملية التعليمية ومن أبرزه هذه الأقطاب :الأسرة-المجتمع -الشركاء .
 وبكل تأكيد نقول إن التحولات العميقة والكبيرة التي  شهدها العالم  اليوم، وبالأخص ما تعلق بالتحولات الرقمية الذي أثرت بدورها على جميع مرافق الحياة  في الاقتصاد والتكنولوجيا وفي القيم والثقافة، قد ساهم  إلى حد كبير في التأثير على  مؤسسات التربية والتعليم،وعلى المدرسة بصفة عامة.

المدرسة في الوسط المدرسي:الاثر والتاثير

إن الاتفاق حاصل بين المتدخلين في العملية التعليمية  بان العصر الرقمي احدث  ثورة  كبيرة في التعليم، بحيث تسللت هذه التقنيات الجديدة  إلى  الفضاء المدرسي  بشكل كبير، باعتبار أن هذه التقنيات والوسائط الجديدة  أصبحت  تمنح  للمتعلم مجموعة من المؤهلات،  وتقدم له مجموعة من الإمكانيات ، وتوسع من  قدراته  في التعلم، وفي اكتساب المعرفة   ،وتنمي كفايته التواصلية والتعبيرية ،مما  ييسر له انجاز ما يطلب منه من أعمال تحص الأنشطة  الصفية  ،أو ما يطلب منه من أعمال منزلية خارجية .
فالفضاء المدرسي كان من أكثر الفضاءات عرضة للتأثير الرقمي،وهذا المعطى  يجب أن نأخذه بعين الاعتبار  في جميع المقاربات التي تتجه إلى   مقاربة مؤسسة المدرسة.  

-خاتمة

إن الإخفاق والتراجع الكبير اليوم  الذي تشهده للمدرسة  ، وتراجعها في أداء أدوارها وفي تحقيق مهامها المتعلقة بقطاع  التربية والتعليم  والتأهيل والتكوين  يعكسه  تراجع   المنتوج  المعرفي و القيمي  والعلمي للمدرسة ، مما أدى إلى ظهور كثير من السلوكات السلبية و الغريبة عن فضاء المدرسة مثل العنف المدرسي والهدر المدرسي  والانقطاع والتعثرات في المعارف.
كما أن التحولات القيمية الكبرى  التي يشهدها  المجتمع اليوم،  أدت إلى  التقليص من الدور التربوي والقيمي  للمدرسة ،فتقلصت أدوارها  وتراجع حضورها في المجتمع  .




[1]-تمثلات الطفل في المجتمع الدكتور احمد  اوزي.ضمن ندوة علم النفس وقضايا المجتمع.منشورات كلية الآداب الرباط 1997.
[2] - نحو مدرسة لبناء القدرات المعرفية.رحمة بورقية .مجلة المدرسة لمغربية. عدد خاص عن المدرسة عدد:4-5.السنة :2012.

[3] -مقدمة كتاب:مخاوف الأطفال للدكتور مبارك ربيع:4.منشورات كلية الآداب الرباط السنة1999. .
[4] -علم الاجتماع التربوي للحسن إحسان محمد:56.دار وائل الأردن :2005.
[5] - المدرسة والمجتمع: لجون ديوى   ترجم:احمد حسن الرحيم.ومحمد ناصر   دار الحياة بيروت1896.
[6] -المدرسة والمجتمع لحماني اقفلي .مجلة المدرسة المغربية.العدد:1-ماي:2002.
[7] -علم الاجتماع التربوي لناصر إبراهيم:45
[8] -اثر التدريس بالحاسوب في التحصيل الدراسي لشفيق فلاح مجلة العلوم التربوية والنفسية العدد 11-السنة :2010
-          [9] - علم الاجتماع المدرسي - بنيوية الظاهرة المدرسية ووظيفتها الاجتماعية - علي أسعد وطفة و علي جاسم الشهاب –دمشق سوريا السنة:2011.


اخترنا لك