ليست مضيعة للوقت :أسرار أنشطة التفتح التي لا يراها الجميع

ليست مضيعة للوقت :أسرار أنشطة التفتح التي لا يراها الجميع



ذ.جواد مطعي

متصرف تربوي



تكرس الإصلاحات التربوية الحديثة مقاربة التربية الشمولية 1*التي تقوم على بناء الإنسان في أبعاده المتكاملة لا تلقين المعرفة فقط، إذ تشكل التعلمات الأساس الكفة الأولى من ميزان التعليم ،بينما تقابلها كفة الأنشطة الموازية والتفتح وهي الكفة الثانية التي توازنها .

وتقوم هذه الرؤية على مقاربة الذكاءات المتعددة 2*التي تؤمن بأن النجاح لا يقاس بالتحصيل الأكاديمي فقط ،بل بقدرة المتعلم على التعبير والإبداع والتواصل والعمل الجماعي واكتساب المهارات الحياتية والفنية والجمالية والرياضية ...

وفي قلب هذا التوازن تكمن الغاية الكبرى :بناء شخصية متوازنة مؤهلة وناجحة في مدرسة الحياة ،هنا حيث يتكامل العلم مع المهارات الحياتية والإبداعية والذكاء الاجتماعي حيث تنمو القدرات لتواجه تحديات الواقع بكل ثقة وتباث ليصبح المتعلم فاعلا حقيقيا في مجتمعه.

لقد أتبتت أنشطة التفتح الفني والأدبي أنها ليست مجرد ترف تربوي بل أنها قادرة على التأثير الإيجابي في مناخ التعليم ،إذ أصبحت تشكل مؤشرا دالا على مستوى صحة وسلامة المناخ التدبيري داخل المؤسسات التربوية ،فهي تعكس مدى نجاعة القيادة التربوية وجودة التواصل والتأثير الداخلي .

لكن بينما يتسع هذا الوعي التربوي بدورها ،لاتزال نظرة الآخر من أسر وأساتذة وحتى بعض الإداريين تتأرجح بين التقدير والتحفظ:

- يعلن بعض الآباء والمدرسين وحتى بعض الإداريين مقاومة معلنة أوغير معلنة بحيث يعتقدون أنها مجرد مضيعة للوقت خصوصا أمام ضغط الإمتحانات والبرامج السنوية ،حيث يربط البعض بين المشاركات الفنية وضعف الأداء الدراسي وهي فكرة مجانبة للصواب وليس لها أساس علمي ، فالتفتح كان دائما عاملا من عوامل النجاح وليس معيقا له .

- يرى الكثير من الفاعلين أن أنشطة التفتح تشكل مساحات للضحك والمرح والترفيه فقط ،بينما هي في الحقيقة مشاريع تربوية مبنية على تخطيط قبلي مسبق ودقيق لا يقل صرامة عن الدروس الصفية .فوراء كل ورشة فنية ساعات طويلة من الإعداد والتحضير والتنسيق ،فقليلون فقط يشهدون هذا العرق الذي يسكب من أجل إنجاح لحظات تبدو للوهلة الأولى بسيطة وممتعة .فالترفيه التربوي هنا يقوم على أساس الجد والصرامة وليس الهزل .

- إن ضعف الوسائل الديداكتيكية الضرورية لإنجاح الورشات الفنية يؤدي إلى ظهور أنشطة مشوهة ورديئة الجودة، مما قد يرسخ لدى الآخرين تصورا خاطئا بأنها تمثل النموذج الحقيقي لهذه الورشات.

- تتربص بعض الأعين بحدر وتوجس تجاه الورشات التي تعرض التلاميذ للإنفتاح على ثقافات مختلفة حتى وإن كانت هذه الأنشطة دات بعد تربوي وتهدف إلى توسيع الأفق وتنمية الحس النقدي ،فالكثير من الأسر تتحفظ على انخراط أبنائها في ورشات مثل الموسيقى … خشية الإنقلاب الأخلاقي والثقافي أو الإنفتاح المفرط .

تتراوح نظرة الآخر لأنشطة التفتح بين الاعتراف بقيمتها التربوية واعتبارها عبئا على الزمن المدرسي، غير أن الواقع يؤكد مكانتها في المدرسة الحديثة التي لا يمكن أن تستغني عن الفنون والآداب باعتبارها فضاءات للتربية على الجمال والإبداع والحياة المشتركة. ورغم الإكراهات والتحديات ، تظل هذه الأنشطة ذات أثر عميق في بناء شخصية المتعلم، إذ تنمي حب الاستطلاع وروح المبادرة، وتعزز مهارات التواصل والتفاعل الإيجابي داخل الجماعة بما يرسخ قيم التعاون واحترام الآخر. كما توفر فضاء آمنا للتعبير عن الذات واكتشاف القدرات، مما يعزز الثقة بالنفس، وتتيح اكتساب مهارات حياتية أساسية كحل المشكلات واتخاذ القرار. ومع تنامي الوعي المجتمعي بدورها، تتجه أنشطة التفتح لتصبح جزءا أصيلا من هوية المدرسة، ورافعة حقيقية لتحقيق تربية متكاملة وبناء تلميذ متوازن، مبدع وقادر على مواجهة تحديات الواقع بفعالية.

المراجع :


UNESCO-1* /منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إعادة التفكير في التربية: نحو خير مشترك عالمي؟، باريس، 2015، ص 44.
/H.GARDNER-2*هوارد غاردنر، أطر العقل: نظرية الذكاءات المتعددة، دار Basic Books، نيويورك، 1983، ص 48