نسيم الحياة وكيمياء الإبداع اليوسفي

 نسيم الحياة وكيمياء الإبداع اليوسفي



نسيم الحياة وكيمياء الإبداع اليوسفي

نادى ارسطو على أفلاطون: صديقي أفلاطون، إني لأجد ريح الخطابة لولا أن تفندني أنت وشيشرون، لقد أنعشتني نسائمها التي زارت قبري، وطافت به، راقصة متمايلة. 


رد أفلاطون: أنا وشيشرون كذلك، دار بيننا قبل 

لحظات حديث مماثل، هل تعلم مصدر هذا النسيم الذي يكاد يعيد لنا الروح، ويقول لنا هبوا إلى الحياة من جديد؟ 


رد أرسطو: لا أعلم بالضبط، لكنني أخمن أنه قادم من مكان بعيد، وقد ميزت محمولاته من كلمات، سبق أن وصلنا قبل قرون مثلها، ونحن في مرقدنا، وتبين لنا في ما بعد أنها للعربي قس بن ساعدة. 


انضم قس بن ساعدة للحوار، وأكد لأرسطو صدق تخمينه، وأشار إلى أن ذاك النسيم الخطابي المنعش قادم من المغرب، وقد تبين ذلك من خلال لكنة المتحدثين. 


فجأة صدر صوت لأحدهم: لا تخبروا ديكارت بالأمر، فيبادر إلى مسح طاولة انتعاشتنا بإسفنجة شكه. 


يقهقهه ديكارت: هل تعتقدون أن هذا النسيم ترك أحدا من المتقدمين والمتأخرين هاجعا في مرقده؟، قوة نفاذ النسيم إلى كياننا، واختراقه قلوبنا وعقولنا جعلني أتخلى عن الشك لصالح اليقين. 


يدخل دستوفسكي على الخط، وينادي على تشيخوف، وموباسان، وحين يستجيبان له، يقول لهما: لقد مسنا طائف القصة القصيرة، كما مس أرسطو وصحبه طائف الخطابة، اللغة التي يتحدث بها القوم ليست غريبة عني، أحاول الآن تذكر أين سمعتها. 


يجيبه الجاحظ بكل ثقة: هي لغتي التي قرأتها في البخلاء والحيوان، وهي لغة زميلي ابن المقفع التي اطلعت عليها في كليلة ودمنة. 


تتعالى أصوات غسان كنفاني، ومحمود تيمور، وإدريس الخوري، ومحمد عزيز الحبابي، مؤكدة قول الجاحظ، ولافتة الانتباه إلى جنسية الصوت وموطنه المغربي. 


وفي ظل تعالي أصوات هذه الأطراف، وتبادلها أطراف الحديث المشيد بالنسيم القصصي الأخاذ، يدخل بريخت على الخط، ويتبعه بيكيت، ولوركا، وبنتر، قبل أن يلتحق بهم توفيق الحكيم، والطيب الصديقي، وسعد الله ونوس، ومارون النقاش، وعبد الكريم برشيد، ليحدثوا بعضهم بعضا عن نسيم مسرحي قادم من ركح متحول، ويسألوا جميعا عن مصدره. 


وقبل أن تتناسل الأجوبة، وتنطلق الافتراضات، يتدخل بيتهوفن، ويسأل موزار: هل داعب نسيم موسيقى عذبة سمعك، فيجيبه بالإيجاب، ويدخل على الخط، في تلك اللحظة، إسحاق الموصلي، وزرياب، ليؤكدا هوية النسيم العربية، وقبل أن يواصلا حديثهما، يقاطعهما الشيخ إمام مفتخرا بأن جزءا مما سمعوه سبق أن أداه.

وقبل أن تمتد الأصوات، يطلب دافنشي من الجميع الإنصات له ، ويخبرهم أن الجمال زار عينه، وبعثه هو الآخر من مرقده. 

ويسير على ركبهم جميعا شكسبير، ليخبرهم أن حظ نسيم الإنجليزية وافر، ومنسوبه كثيف. 


تناسلت علامات الاستفهام عن منبع الحياة هذا الذي أحيى عظاما رميما، وبعد أخذ ورد، وقع الاختيار على الشريف الإدريسي، ليضع لهم خريطة المكان، اعتمادا على مقاييسه الجغرافية. 


عرض الشريف الإدريسي خريطته، وحدد الموقع بدقة: مدينة مغربية صغيرة، تابعة لجهة مراكش آسفي، يطلقون عليها يتيمة المدائن، تحمل اسم اليوسفية هي التي صنعت هذا الحدث. 


فغر الجميع أفواههم، قبل أن يتدخل ابن خلدون، ويؤكد لهم أن هذه المنطقة أرض عطاء إبداعي، وأنها مهد الإنسان الأول. 


هنا تساءلوا عمن يستطيع أن يأتيهم بخبر القوم، فصاح ابن بطوطة: أنا آتيكم به، لقد جلت البلدان والأمصار، وأعرف المسالك المؤدية إلى هناك، فانتظروا الخبر اليقين....


يعود ابن بطوطة بعد أيام قليلة، ويبدأ في سرد الحكاية: زرت في البداية منطقة إيغود، والتقيت بأقدم إنسان، وحدثني، مزهوا، عن فضل منطقته، وسبب اختياره الإقامة فيها، فهي ملهمة، تحث النفس على العطاء، وتزرع فيها بذور الحب، وكشف لي سر هذا النسيم المتعدد الذي بعثكم من مرقدكم، إنها أصوات تلاميذ، امتلأت نفوسهم بفنون شتى، وأقاموا مآدب خطابية وقصصية وموسيقية ومسرحية وتشكيلية في مؤسسات تعليمية صدحوا فيها بالجمال الذي شنف أسماعكم، وفتن عيون بعضكم. 


تعالت الأصوات من الشرق والغرب، معبرة عن الإعجاب والامتنان، وتكفل محمود درويش، نيابة عن الجميع، بتوجيه النداء إلى أشبال مدينة العطاء - اليوسفية - طالبا منهم الاستمرار في ضخ الحياة في هذه النفوس بنسيم الإبداع المتدفق:


أيّها الصوت الذي رفرف في لحمي عصافير لهب،

علّمونا أن نغني و نحب

 كلّ ما يطلعه الحقل من العشب، 

من النمل، وما يتركه الصيف على أطلال دار.

 علّمونا أن نغني، ونداري حبّنا الوحشيّ، 

كي لا يصبح الترنيم بالحب مملا!

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

  • انشر مواضيعك و فروضك و مساهماتك على موقعنا من خلال بريدنا :[email protected] -واتساب 0707983967- او على الفايسبوك
    تابعوا موقع الأساتذة على أخبار التعليم على اخبار جوجل



  • وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -