ذئب رئيس ورئيس ذئب ــ قصة قصيرة


يُحكى أن جماعة من الذئاب كَرَّتْ على قرية يسكنها الحمير والكلاب ولفيف من الناس، فاحتلتها بسهولة لم يكن يتوقعها أحد، ونَصَّبَتْ زعيمَها رئيسا على القرية، وباشر الرئيس مهامه بسلاسة لم يكن يتوقعها.
      تَحَسَّسَ أهل القرى المجاورة ردَّ فعل ما من لدن سكان القرية المستعمَرَة، دون أن يظفروا ببغيتهم في سماع ذوي مسيرات أو مظاهرات مطالبة بالحرية، ومتغنية برحيل الذئاب، وعلى النقيض من ذلك تناهى إلى سمعهم انخراط الجميع في طقس السمع والطاعة اليومي، انخراطا لم يتركوا فيه ولو كُوَّةً صغيرة يمكن أن يتسلل منها أمل للمراهنين على إمكانية ثورتهم وانتفاضتهم، أو حتى على التردد في تنفيذ أَمْرٍ ما لرئيسهم الذئب، ولأعوانه من الذئاب.
مرت سنوات والقرية ساكنة هادئة، وظل خلالها الذئب الرئيس يأمر فَيُطاع، ويشير فيُلبى طلبُه في لمح البصر، وتأكد الجميع أن الأمر اسْتَتَبَّ له، وأنه لن يبرح كرسيه إلا إذا نَفَقَ، وشاهدوا بِأمَّات عيونهم قطيع ماشيته يتضاعف مثنى وثلاث ورباع، وكيف صار سمينا بعدما كاد يقتله الهزال، حينما كان يسكن مغارة بالتناوب مع ثعلب اتفق وإياه على أن يقيم فيها ليلا، ويغادرها نهارا، ليعطيه بدوره فرصة نوم نَكِدٍ كانت فيه للبراغيث كلمتها الأولى والأخيرة، وهي تؤدي في حق  جلدهما طقوس الامتصاص المجنونة.
     ذات يوم تذكر الثعلب صديقه الذئب الذي افتقده لسنوات، فخرج يبحث في أثره، إلى أن أخبروه أنه صار رئيسا لقرية، وأنه يتمتع بشعبية كبيرة، وقد تغيرت ملامحه كثيرا بعدما اكتنز لحما وطَبَّق شحما، تردد الثعلب في تصديق ما سمع، وخامره الشك، فقرر أن يزور القرية ليتبين حقيقة الأمر.
  بعد رحلة دامت أياما وصل إلى وجهته، وطلب مقابلة الرئيس الذئب الذي أوصى بإدخاله إلى الحمام وتعطيره قبل إدخاله عليه، وفي قاعة الاستقبال جلس الذئب الرئيس، وجاء الثعلب يمشي على خجل، حتى اقترب منه، ولم يدر ما يفعل في حضرة صديقه القديم، أيتقدم أكثر ليعانقه، أم يتوقف ويترك بينهما مسافة تليق بمكانته، وهنا تدخل الذئب ليرفع عن رفيقه الحرج، وطلب منه أن يتقدم ليجلس بجانبه...، تباحث الطرفان على انفراد مدة طويلة استرجعا خلالها أيام السغب والجوع والضياع في المغارة الكئيبة، ولم يفوت الثعلب الفرصة ليسأل صديقه الذئب عن أسباب تمكنه من التحكم في القرية، وظفره بشعبية كبيرة، قهقه الذئب هنيهة قبل أن يجيب زميله: الأمر بسيط للغاية، بداية وجدت هذه الكوكبة من الذئاب متشردة متسكعة، فاقترحت عليها فكرة الهجوم على القرية، فترددت، لكنني تمكنت من إقناعها، وضمنت مشاركتها إلى جانبي، وبعدما استتب لي الأمر اتبعت السيسة الآتية: أكرمت وفادة الكلاب ببقايا الشياه التي أفترس واحدة منها في اليوم، فأعلنت جميعها اصطفافها إلى جانبي، وتولت حراسة الحمير ومراقبة عملها، وكلما رأتها متخاذلة متكاسلة عضت أرجلها ونبحتها، وهكذا ربحت ولاء الكلاب وخدمة الحمير.
ــ وولاء هذا اللفيف الآدمي كيف حصلت عليه؟
ــ هؤلاء يشتغلون رعاة لماشيةٍ كانت مِلْكَهُم.
ــ كيف قبلوا هذه المَهَمَّة؟
ــ استقبلت كل واحد منهم على انفراد، وأخبرته أنني سأصيره ذئبا، وسيعود له شأن مثل شأني، وأنه الوحيد الذي سينال هذه الحظوة، وأوصيته ألا يخبر أحدا بهذا الأمر، فهم يراهنون على اكتساب الخلقة الذئبية، ويجتهدون في خدمتي، وينافسون بعضهم بعضا، دون أن يدري أحدهم أن الآخر يحدوه الأمل نفسه، وأنهم جميعا ضحية مكري وخبثي.
ــ ألا تعتقد أن حبل مكرك سينفرط يوما ما؟
ــ لا يا صديقي، سيموت هؤلاء جميعا، وسيموت مع كل منهم سِرَّهُ
ــ وماذا ستفعل مع أبنائهم؟

ــ أمرهم بسيط للغاية، هؤلاء فتحوا أعينهم على ما وجدوا عليه آباءهم، وسيستمرون في ذلك ظنا منهم أن هذا هو عين الصواب، وأن الوفاء لسيرة الآباء يقتضي السير على نهجهم.