نص سردي."رسالة إلى الصغيرة"

لمهدي قنديل،،أولاد عبو برشيد

المهدي قنديل
أولاد عبو برشيد
بلغني أيتها العزيزة أن الإقامة بداخلي كانت تزعجك كثيرا، وأن حجم الآلام التي غصت بدواخلك كانت بليغة إثر عدم ملاءمتك مع المنظومة المغلقة التي تتواجد بي،، لا أقدم لوما للذين افترشوا لنا تابوتا يوم حفل تسليم شهادة الحياة، فقد كان ذلك مجرد مادة لصناعة الفن الأرقى، والذي يفوق تصور الحياة عندك...إنها وحشية فعلهم حقا. وحشية يوم رددت نساء حارتنا تعاويذ الليلة الظلماء. فهن اعتبرن قافلة الرؤوس التي حطت رحالها بالخيمة طبيعة إنسانية، ونحن اعتبرناها ثقافة. فكيف لفننا وحكايتنا هاته أن تغدو برأسين.
رأس تدرج رأسها بين الرؤوس في الداخل، وأخرى ترمي بشموعها الخافتة إلى الخارج عل هذه التعاويذ تطمس وتحل محلها ترانيم تهتز لها الأذان. كيف لهذه الرأس أن تمد شعيراتها إلى لوحة زنجية تجعل الحاضرين ينبهرون من الأرانب الحاضرة في حفلنا هذا، وقد أضحت تتقيأ رسائل التهاني والتبريكات الذنيئة، وتتحكم في مصائرنا المقبرة. عزيزتي،، كل الأرانب كانت تتقيأ، والناس من حولها تصفق وتزغرد حتى كادت تبتلع وتقلع حناجرها...أذكر أيتها السيدة أن حنينا تعلق بالسذاجة، واشتعل مثل هدنة في اليابسة، كان يبدو كأنه حصار بلا هوادة يمارس شعائر الفوضى...دعتني تلك إلى الجلوس على أريكة وأبقى معها حتى أعتاد على الخذلان، دخلت محرابها كمسكين شاحب يحتاج إلى عملية في الحال. كنت أعتقد أن رائحة مأواها لا تشبه رائحة المستشفيات، أبيت وأغادر، لكنني أيقنت أنها ستسمح لي بالمكوث عندها إلى حين أستريح منك. كانت لطيفة جدا، تأتي بعد كل ساعة تحمل في يديها الناعمتين أوراقا لمجلة منبوذة تتحدث عن الماضي المشلول، وعن ليلتي المشؤومة، كانت تنسيني اسمي كلما دنت نحوي، تضع على مؤخرة الأريكة فتيلة لإضاءة الغرفة من العتمة. أأنت تتألم ؟ هكذا تسأل بنبرات حب دافئ. لا أعتقد سيدتي !!. أجيب وأستلقي على ذراعي الأيمن، ووجهي يصبح أشد حمرة من الخجل، لأنها تخاطبني بصيغة لا تمت للاحترام بصلة. إنها صغيرة السن، حسناء لطيفة، عريضة تكاد تستقر على حال الحور اللائي حدثنا عنهن شيخ الليلة اللعينة. أجيب بالنفي، رغم أن تلك اللحظة كنت أحس بألم شديد. قالت: الليلة ستتناول عشاء خفيفا ثم غادرت. انتبهت إلى خطواتها المتثاقلة كأوراق شجرة تحركها الرياح يمينا و شمالا. أثار حنقي أن تفعل ذلك بي، وارست بعالمها إلى دواخلي حتى كدت أصدق أني فارس عائد من معركة طويلة. انتظرت العشاء المثقل بوعيد اللمسات على إيقاعات موسيقية اختارتها اللحظة، لم تكن تشبه تلك الموسيقى التي دندنت في أذان الحاضرين ليلتها، ورحت أختار كلمات شكر تناسب المقام، أرتجل لهوجات تناسب الهدنة، أتلذذ طعم الحلوى التي لم أرها من قبل، حتى نسيم الحساء الذي أتخيله لم يكن يشبه المرارة التي وضعتها في بطني. أوهمت نفسي ماكرا أن لا طعم لي غير جلوسها المؤنس، وأن غضبي الذي أقبرته من النازلة سينصهر عند تناولي الحبة السوداء. فجأة سمعت دندنات ساقيها الطويلتين تتقدم شيئا فشيئا، وخرير ما بين يديها يسمع على أمتار من المكان، أهذا كله أمل ؟. هيأت نفسي واستقبلت الآنسة بابتسامة عريضة تخفي وراءها الكثير. لم تكن تلك التي أنتظرها، تغيرت وتغيرت معها تجاعيد اللحظة المهمة، نبرات السيدة مخيفة، لم تكن معاملتها حسنة، ألقت تحية يابسة مصحوبة بكيس بلاستيكي أمام الأريكة، وخاطبتني قائلة: الفارون من الحياة، يستقبلهم ظلها. أيقنت حينها أن التعاويذ نفسها تتكرر على لسان نساء الإمارة. أجبتها متلعثما: أهناك ألذ من قيئ الأرانب ؟ أخافتها كلماتي وأخفتها من امامي، نطق الصمت حينها، فغادرت تاركة حروفا متقطعة وراءها ووجها شاحب عبوس يضمر هزة. صباحا،، سيأتونك الصغار لنقلك إلى حيث تريد. شكرت لها فضلها، وانغمست في النظر إلى تلك الحلوى النتنة منهكا في التفكير. فعاودت الكرة بخطوات سريعة هذه المرة. لا تنس أن تغتسل...أدركت الصباح، فجيئ بالتابوت محملا بأكتاف معدودة وحناجر مسموعة، وخطوات متشابهة.سألت: إلى أين ؟ أجاب واحد منهم: إلى حيث ستوقع على شهادة ميلادك الجديد...