الدخول المدرسي الجديد: ضبابية المشهد



المصطفى سالمي

 

في ظل الوضعية الوبائية المقلقة ببلادنا بتزايد حالات الإصابة والوفاة جراء جائحة كورونا فإن الجميع كان يترقب القرارات الوزارية التي ستكشف عن سيناريو الموسم الدراسي الجديد 2020/2021، وكان الناس يتوقعون إما تعليما عن بُعد على غرار الشق الأخير من الموسم الدراسي المنصرم، أو تعليما حضوريا بإجراءات مشددة وتقليص لأعداد المتمدرسين في كل فصل، أو تأجيلا لهذا الدخول لأسابيع أخرى حتى تتضح الرؤية وينجلي المشهد والصورة، بل وحتى سيناريو السنة البيضاء كان في الحسبان وإن كان مستبعدا للغاية، هذه التوقعات كان مثلها يأتي صداه من الجهات الرسمية نفسها منذ أسابيع خلت، لكن نهاية الأسبوع الثالث من شهر غشت حملت القرار الحاسم غير المنتظر، إنها قرارات فجائية لكل المتتبعين للشأن التربوي ببلادنا، لقد ألقت الحكومة الكرة في مرمى الآباء وأولياء الأمور ليختاروا ما بين:                      

أ ـ تعليم عن بُعد مثلما كان عليه الأمر بعد 14 مارس الماضي.

ب ـ تعليم حضوري وفق إجراءات صارمة يتقدمها التزام من ولي الأمر يمكن اعتباره بمثابة إبراء الذمة بالنسبة للحكومة من أية تبعات وما يمكن وقوعه من آثار ونتائج محتملة لهذا النوع من التدريس.                                                              

هكذا إذن تترك الحكومة القرار بيد الشعب الذي لم تتم استشارته سلفا في أي من القرارات الصعبة المتعلقة بتوقيف الدراسة الحضورية يوم 14 مارس الأخير، أو قرارات متعلقة بالتقويم ومعايير النجاح والاختبارات التي اقتصر إجراؤها على السنة النهائية للباكالوريا مع تأجيل الامتحانات الجهوية للسنة الأولى واعتماد معدلات النجاح على ما أنجز في الدورة الأولى مع احتساب الفروض الحضورية بالنسبة لباقي المستويات التعليمية. لماذا كان الحسم وقتها بينما التردد اليوم هو الظاهر من هذه القرارات؟ أليس مطلوبا من القاضي مهما كانت صعوبة وملابسات القضية أن يكون حاسما في إصدار الحكم، أم يترك للمتابع الاختيار بين حكم وآخر، ولعل هذا يذكر بمسرحية مصرية للفنان عادل إمام بعنوان (شاهد ما شافش حاجة) حين كان الشاهد يقول للقاضي إنه ذهب لحديقة الحيوان بين الرابعة والسادسة، فيطلب منه القاضي تحديد الوقت والإجابة بدقة، إما أبيض أو أسود، اللون الرمادي غير مطلوب، ويؤكد له القاضي ذلك بعبارة: أوضح أفصح وأبِنْ. قرارات حكومتنا ينبغي أن تكون واضحة بينة فصيحة غير ملتوية أو مترددة أو رمادية، الحاكم أو مؤسسات الدولة بمثابة قاض فوضه الشعب لإصدار القرارات. وهنا سنطرح مجموعة أسئلة تبين لنا بعض الهواجس المقلقة بشأن المستجدات المتذبذبة الصادرة عن وزارة التربية الوطنية:                                                       

أ ـ هل الدروس عن بُعد وحدها كافية لتحقيق الكفايات المطلوبة عند التلميذ المغربي، وإذا كان الأمر كذلك لماذا استثنيت هذه الدروس من عملية التقويم في امتحانات الباكالوريا في سنتها النهائية لهذا الموسم المنصرم وتم الاكتفاء بالدروس الحضورية وحدها؟!                                                                         

ب ـ كيف ستكون عملية التقويم إذا سلمنا جدلا بأن الدروس عن بُعد هي كافية وتتحقق في ظلها الغايات والأهداف المنشودة وكل المهارات النظرية والتطبيقية المطلوبة؟ وهل سيكون التقويم أيضا عن بُعد علما بأن فروض المراقبة المستمرة تتعدد حسب المواد وتتم على مدار الموسم الدراسي تحت الرقابة والإشراف الفعلي للمدرس حتى يكون لهذا التقويم كل المصداقية المطلوبة، أليس التقويم جزءا لا يتجزأ من العملية التعليمية/ التعلمية؟!         

ج ـ ماذا عن الفئات التي تريد تعليما حضوريا باختيارها وبعضها يوجد في القرى والجبال المعزولة، هل سيشرح لها المدرس وهو يضع الكمامة على فمه وأنفه طوال ساعات الشرح، وهل عناصر الصف من المتعلمين سيلتزمون هم أيضا بوضع الكمامات وهم يجيبون على الأسئلة ويتفاعلون طوال الحصص الدراسية؟ وهل سيتحمل المدرس انحرافات ومخالفات التلاميذ الذين لا يلتزمون بوضع الكمامات طوال الوقت أم سيكتب تقريرا عن كل مخالفة من هذا القبيل لزجر من تسول له نفسه إزالة الكمامة أو يأتي الفصل بدونها متعللا بنسيانها أو بشيء من هذا القبيل؟ لا ينبغي أن نغفل أو نتناسى أن أغلب الذين اجتازوا امتحانات الباكالوريا لم يلتزموا بوضع الكمامات بشكل صحيح أثناء الإجابة على الأسئلة كما عاين ذلك الأساتذة الذين أشرفوا على الحراسة رغم توجيهاتهم المتكررة بذلك، وكان هؤلاء المترشحون يتعللون بالاختناق في ظل حرارة مفرطة وقتها، والأستاذ نفسه أثناء الشرح يصبح مثل عداء رياضي تتلاحق أنفاسه من شدة التعب والإرهاق وقد ينسى نفسَه ويزيل الكمامة عن أنفه بحثا عن مساحة من الأوكسجين، فهل شاهدتم مباراة في كرة القدم يضع فيها اللاعبون الكمامات؟ وهل شاهدتم عرضا مسرحيا يضع فيه الممثلون الكمامات؟ المدرس اجتمعت فيه كل سمات هؤلاء إلا إذا كان مطلوبا منه أن يكون تمثالا جامدا داخل الفصل.                                                          

د ـ ماذا عن تجمع التلاميذ في ساحات المؤسسات التعليمية في كل صباح لترديد النشيد الوطني أم سيتم الاستغناء عنه؟ وماذا عن حافلات النقل الحضري والنقل المدرسي وسيارات المبادرة الوطنية التي يتكدس فيها التلاميذ يوميا في ذهابهم وإيابهم واختلاط تلاميذ الحواضر بتلاميذ البوادي خارج المؤسسات وإمكانية نقل الوباء إلى دواوير وقرى المغرب المنسي طوله وعرضه، وهل ستؤمن الدولة كل هذه الأجواء وتعقم كل فضاءات النقل والجدران والأقسام والساحات ودورات المياه وفضاءات الرياضة وعدة وتجهيزات المختبرات بشكل يومي مستمر يجعله بعيدا عن أن يكون محفوفا بالمخاطر الداهمة؟!                                                         

ه ـ ماذا عن المدرس الذي تمّ تناسيه ولا أحد التفت إليه أو استشاره أو تم أخذه في الاعتبار ـ وكأنه مجرد جسم آلي للتنفيذ (روبـو) ينجز ما يقرره الآخرون وكفى ـ هل سيشتغل في نفس الوقت وفق النمط أو النموذج "عن بعد" ووفق النمط "عن قرب" أم سيتخصص في أحدهما  وغيرُه في النموذج الآخر وفق الأقدمية مثلا؟ أم هناك معايير معتمدة لذلك علما أن عديد المدرسين من الأجيال الماضية لم يسبق لهم أن تلقوا تكوينا في مجال المعلوميات أو التقنيات الحديثة، إن هي إلا مهارات ذاتية مكتسبة واجتهادات عند البعض وجهل مطبق عند البعض الآخر من الأجيال العتيقة التي لم يتلق أغلبها أي تكوين معلوماتي واقتصر التكوين على فئات محدودة، وماذا عن قرى المغرب المنسي حيث ضعف أو انعدام شبكات الاتصالات في المناطق النائية والوعرة، وكيف يمكن التنسيق بين النموذجين: "عن قرب" و"عن بعد" وتوحيد مسارات التعلم والتقويم وتحقيق فرص متكافئة بين الاثنين؟

أسئلة عديدة تجعل المشهد الذي سطرته الوزارة يبدو أكثر ضبابية خاصة لو استمر الوضع الوبائي ببلادنا بهذا السوء وحلت أشهر الخريف حيث تشتد نزلات البرد الموسمية والهواجس والوساوس، فهل تنزع الحكومة بهذه القرارات المفاجئة يدها من هذا الملف وتلقي باللائمة على التلميذ والمدرس وولي الأمر والإداري في كل مخرجات هذه الاستراتيجية المعتمدة والقائمة على الاختيار المجحف التي تجعل المرء كمن يفر من الرمضاء إلى النار دون أن يقدم وصفة بديلة بينهما، ثم متى كان المواطن هو من يقرر ويختار في قضايا مصيرية حتى تُترك له الفرصة الآن وخاصة ونحن في مجتمع تغلب عليه نسب الأمية والجهل؟                        

ألم يكن الأجدر والأليق إشراك المعنيين من أطر إدارية وتربوية وأحزاب ونقابات وفتح نقاش مجتمعي يشارك فيه مفكرو وأكاديميو البلاد لتشكيل تصور واضح أو إرجاء هذا الدخول المدرسي حتى تتضح الصورة والاكتفاء بنصف المقرر إذا دعت الضرورة لذلك؟ أليست الحياة مقدسة على كل ما عداها حتى تتم المغامرة والمقامرة بأرواح وسلامة الطلاب والمدرسين والإلقاء بها نحو المجهول في مساحة من الضبابية التي لا يعلم تبعاتها إلا عليم؟!  

اخترنا لك